فائدة أفادني بها بعض إخواني: قال النووي في المجموع (3/ 305) وهو يتكلم عن مسألة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ناقدا ما نقل عن الزيدية من عدم الرفع:
((والزيدية لا يعتد بهم في الاجماع))
ـ[أبو الفداء]ــــــــ[06 - صلى الله عليه وسلمpr-2008, مساء 08:58]ـ
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، لاسيما عبده المصطفى وآله وأصحابه المستكلمين الشرفا
أما بعد، فقد قرأت هذا المبحث الطويل الماتع بين اخواني ومشايخي حفظهم الله ونفع بهم، وكلما فرغت من قراءة مداخلة من المداخلات وعن لي شيء أردت التعقيب به، وجدت المداخلة التي تأتي بعد تحمل الكلام الى جهة أخرى، أو تنقل الحوار الى فرعية جديدة على أصل الموضوع، حتى اذا وصلت الى آخر تعقيب قبل هذا الذي أكتبه الآن، وجدتني - وقد انتفعت كثيرا من جميع المداخلات - لا أدري من أين أبدأ أو على أي المداخلات أعقب .. ولهذا سأحاول ما وسعني أن أختصر وأن أسدد الى قلب محل النزاع، والا قاربت اليه ما وفقني ربي، والله المستعان.
فأقول والله الموفق، أن الكلام يشوبه نوع خلط بين موردين من موارد النزاع بين العلماء، الأول هو النزاع في اجماع العلماء بعد القرون الفاضلة وكيفية تمييزه وما يعتبر منه وما لا يعتبر، والثاني هو الكلام في حد المجتهد وصفته، وما يدخل فيه الاجتهاد من صنوف المسائل العلمية والعملية وما لا يدخل فيه. وفي الحقيقة فان هناك مداخلة ظل أخونا الشنقيطي الفاضل يكررها ولم يلتفت اليها أحد، مع أني أراها - في ظني القاصر المتواضع - مداخلة قيمة توافق ما نص عليه الكتاب والسنة في الاعتداد بالأقوال عند النزاع .. فالله أمرنا باتباع سبيل المؤمنين قال تعالى: ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً)) [النساء: 115] فلعل أوفق الأقوال في تصور صفة هؤلاء المؤمنين والذين يعتبر بكلامهم في المسائل العقدية والفقهية على حد سواء، هم الذين لم يتلبسوا ببدعة غليظة ومكثوا مصرين عليها مهما نوظروا وعورضوا فيها بالحق وبالدليل، بل كانوا حريصين - بشهادة العدول من أهل الديانة في زمانهم - على اتباع الحق بدليله دون غلو في أعيان من الناس أو تقليد أعمى عار عن الدليل .. فهؤلاء ان علم عنهم هذا، عذروا فيما أخطأوا بتصحيحه من دليل ضعيف أو تضعيفه من دليل صحيح، وكانوا من أهل الحل والعقد والاستنباط، الذين تابعوا منهج السلف والصحابة رضي الله عنهم عند الاختلاف والنزاع.
فالذي يجرح رجال البخاري - مثلا - ويرميهم بالكذب، هذا يقلد أقواما شهد أهل الديانة بزندقتهم، ولو أنه صدق في طلب الدليل من مظانه ما طعن فيمن نقل عنهم الدين، وشهد لهم أهل الديانة جيلا بعد جيل، فكيف بمن كان هذا ديدنه أن يعتد بخلافه في أي مسألة من المسائل اذا خالف الاجماع؟ ان الضابط في ذلك هو مدى قدرة المجتهد على التحرر من كل قول لم يوافقه دليل يصح عنده، والعمل بما يقتضيه الدليل، وكان ممن شهد لهم بالصدق في تحري الحق! فلو كان من الاباضية أو الأشاعرة - ممن اتفقوا مع أهل السنة على مصادر التشريع بالجملة - من علم عنه مثل هذا التحري في اتباع النص وفي تمييز الرجال بما هو محفوظ عن أئمة ذلك الفن المتفق بين أهل الديانة على امامتهم، فما الذي يمنعنا من الاعتبار بخلافهم في خرق الاجماع، ان زعم ثم اجماع؟ ان الذي يعامل سائر من نسبت اليهم بدعة أو خطأ أو انحراف في مسألة من المسائل كبرت أو صغرت معاملة واحدة، لا أراه الا يظلم بذلك فئاما كبيرا من أهل الفضل الذين شهدت الأمة لهم بالامامة! فالذي يريد اخراج الأشاعرة من الاجماع - مثلا - هل يخرج معهم النووي وابن حجر عند المخالفة؟؟ والذي يريد اخراج الزيدية هكذا مطلقا، هل يخرج معهم الشوكاني والصنعاني وابن الوزير وغيرهم؟؟ والذي يخرج الظاهرية باطلاق هل يخرج معهم واحدا من أكبر أئمتهم كابن حزم مثلا؟ هذا تحكم ليس بمتجه ولا يسوغ! فليس كل من نسبت اليه بدعة أو خطأ في تأويل أو نحوه هو بالضرورة مبتدع - من حيث الاصطلاح - خارج عن عموم أهل السنة الذين أمرنا ربنا بلزوم سبيلهم، وبسببه نعتبر اجماعهم هو الاجماع وما خالفه فلا عدة به!
¥