وأنا قد ذكرتُ لفضيلتكم أن مجرد إثبات وجود مخالف في المسألة لا يعني أنها ليست إجماعية، وهذه هي مشكلة ابن حزم ومشكلة كثير من طلبة العلم، يظنون أنه ما دام قد حكي في المسألة خلاف فلا يوجد إجماع، وهذا خطأ واضح.
وبغض النظر عن ابن حزم وشذوذه، فأنا لا أنازعك في الاستفادة من كلام أهل العلم مهما كان لديهم من شذوذ.
ولكن لنا أن نسأل:
- المسألة التي حكى الإمام مالك فيها الإجماع، ألم يكن في عصر الإمام مالك عالم معتبر يبين خطأ الإمام مالك؟
- لماذا لم يتعقب الإمام مالكا في هذه المسألة تلميذه الشافعي، مع مخالفاته الكثيرة له؟
- ولماذا لم يتعقبه الإمام أحمد؟
- ولماذا لم يتعقبه محمد بن الحسن الذي صنف كتابا كاملا في الرد على أهل المدينة؟
- يعني بين وفاة الإمام مالك (179) ووفاة ابن حزم (456) مدة طويلة جدا 277 سنة!!
- ألم يكن هناك طوال هذه المدة واحد آتاه الله علما وعقلا يبين خطأ الإمام مالك في هذه المسألة؟
أنا أتكلم كلاما عاما، وليس خاصا بالإمام مالك، وليس خاصا بمسألة من المسائل، ولكن أريد أن أبين بعض الأشياء التي تخفى على طالب العلم عندما تأخذه الحماسة في البحث ويظن أنه قد وقف على ما لم يقف عليه السابقون!!
المشكلة أن حكاية مذاهب العلماء لا يكفي فيها مجرد النقل من الكتب، وإنما تحتاج إلى تحقق بمذاهب هؤلاء العلماء، ومعرفة حقيقة أقوالهم، وما يقصدونه بهذه الأقوال، وهذا لا يتأتى لكل أحد.
ومن شاء أن يبحث لقوله عن مستند من أقوال السلف والخلف فلن يعدم ذلك بحق أو بباطل.
وقد أعجبني جدا كلام العلامة الشاطبي في خاتمة الموافقات؛ إذ ذكر عشرة ضوابط لنقل خلاف العلماء ومعرفة الخلاف القادح والخلاف غير القادح.
فالمقصود أن طعن ابن حزم في الإجماع الذي حكاه الإمام مالك لا يقبل بإطلاق، وإنما يحتاج الأمر إلى البحث عن القرائن في المسألة، فإذا وجدنا ابن حزم مثلا تفرد بهذا الطعن ولم يوافقه أحد من أهل العلم لا قبله ولا بعده، فلا شك أن كلامه لا يقبل.
ومالك ليس بمعصوم في نقله ويرد عليه الخطأ كما يرد على غيره، ولكن الأمر بضوابطه.
(تذييل)
لقد وجدت كثيرا من المسائل الإجماعية التي لم يحك أحد من العلماء الإجماع عليها!!
والسبب في ذلك أنه لم يخطر ببال أحد منهم أن ينازع أحد فيها أصلا، ولذلك تجد كلام العلماء فيها قليلا لأنهم لم يعرفوا فيها نزاعا، بخلاف المسائل التي اختلفوا فيها فإنك تجد الأخذ والرد فيها كثيرا عندهم حتى وإن كانت مسائل صغيرة.
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[22 - Mar-2008, مساء 09:45]ـ
إذا كان عندي خلل في تصور المعنى الصحيح للإجماع نفسه، فكيف يُتصور أن أضع ضوابط صحيحة لمعرفته؟
لعلك تذكر أني قلت بالحرف: ((ثم إن ابن حزم وإن كان لديه خلل ظاهر إلا أنه قد ذكر ما يمكن أن يستفاد منه في وضع ضوابط عملية للتحقق من صحة الإجماعات المنقولة)).
لا أنه يعتمد عليه في وضع الضوابط.
فالمقصود أن طعن ابن حزم في الإجماع الذي حكاه الإمام مالك لا يقبل بإطلاق، وإنما يحتاج الأمر إلى البحث عن القرائن في المسألة، فإذا وجدنا ابن حزم مثلا تفرد بهذا الطعن ولم يوافقه أحد من أهل العلم لا قبله ولا بعده، فلا شك أن كلامه لا يقبل. ومالك ليس بمعصوم في نقله ويرد عليه الخطأ كما يرد على غيره، ولكن الأمر بضوابطه.
رغم احترازك اللطيف في آخر كلامك (ابتسامة) إلا أني أود أن انقل إليك ما سمعته:
في محاضرة الشيخ المقدم وفقه الله: قال مالك عن: وجوب رد اليمين على المدعي إن نكل المدعى عليه: ((هذا ما لاخلاف فيه عن أحد من الناس، ولا في بلد من البلدان)) [1]، واستدرك ابن حزم (ولعله في المحلّى وهو ليس عندي): هذه عظيمة! القائلين بالمنع من رد اليمين أكثر من القائلين بردها. واستدرك على الشافعي كذلك عندما حكى لا الإجماع وإنما عدم العلم بالخلاف (!) في أن في الثلاثين من البقر تبيع و في الأربعين مسنة، قال ابن حزم (ولعله في المحلى أيضاً): ((وإن الخلاف في ذلك عن جابر بن عبدالله و سعيد بن المسيب وقتادة، وعمال ابن الزبير في المدينة، ثم عن إبراهيم النخعي وعن أبي حنيفة لأشهر من أن يجهله من يتعاطى العلم)).أ. هـ. [2]
============================== ==
[1] وجدته في الموطأ، ط. إحياء التراث، ص 447: بلفظ: ((فهذا مما لا اختلاف فيه عند احد من الناس، ولا ببلد من البلدان)).
[2] "نظرة في الإجماع الأصولي" من الدقيقة 57 إلى 59.
ـ[ابومحمد البكرى]ــــــــ[23 - Mar-2008, صباحاً 07:10]ـ
جزاكم الله خيرا
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[23 - Mar-2008, صباحاً 11:13]ـ
ولعله يتبين بالمثال الأخير ضرورة الاحتياط الزائد لنوع معين من الإجماعات المحكية وعدم التسرع في قبولها وهي الإجماعات التي بين طرفين: طرف الإجماعات المعلومة المشتهرة، كإجماع الصحابة أو إجماع العلماء من بعدهم على ما اشتهر إجماعهم عليه، والطرف الآخر الإجماعات الباطلة، أو الحكايات المدعية لإجماع لم يقع حقيقة لوجود الخلاف أو لعدم تصور وقوعه بسبب إجماع السابقين على خلافه ونحو ذلك. فالإجماعات التي تقع في الوسط هي مثار اضطراب ولا نستطيع - تشبيها أو قياسا - أن نقول أنها مثل الحديث "الحسن"، بين الصحيح والضعيف، لأن الحديث الحسن صحيح يقبل ويعمل به وهو حجة حتى لو كان متوسطاً طرفين. أما حكاية الإجماع فلا يعمل بها حتى تنتزع من الوسط وتلحق بأقرب الطرفين. والمشكلة أن هذا في الغالب مستبعد وسيظل الأمر كما هو. وعندي أن المشكلة يمكن أن تحل بما بينه ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين من ألا يُقدّم إجماع ظني مختلف فيه على نصوص الكتاب والسنة، فيبحث فيهما ويعتمد عليهما أولاً في هذه الحال.
¥