الجواب أنه مسألة إجماعية مستفادة من دلالات النصوص، وهذا فيه رد للإجماع بمعناه الأعم بالإجماع بمعناه الأخص ولا شك أن هذا باطل.
ثم إن كلامك أيضا وارد على قواعد قبول الأحاديث، فهذه القواعد فيها خلافات كثيرة جدا، فلماذا لا يأتي أحد ويقول:
(لماذا لا نشترط شروطا محكمة في قبول أو رد الأحاديث؟!!)
وقواعد قبول ورد الأحاديث هي إجماعات في أحسن أحوالها، فلماذا لم يرد عليها ما ورد في سؤالك.
والإجماع باب من أبواب الإخبار فلا يمكن القدح فيه إلا بالقدح في المخبِر أو بإخبار مخبِر آخر بخطأ المخبر الأول.
فلو أخبر أحد العلماء بوجود الإجماع فلا يمكن القدح في هذا إلا بأمرين:
- أن نقدح في العالم نفسه وأنه ليس بموثوق في مثل هذا.
- أن نقدح في الإجماع الذي حكاه وذلك بأن نعارضه بذكر المخالفين من العصر المحكي عنه الإجماع.
وبغير هذين القادحين نكون كمن يقدح في خبر العدل بغير حجة.
وأما أن الإجماع دليل شرعي نحلل به ونحرم .... إلى آخر هذه الأشياء، فهذا كله فيه نظر
فالقرآن دليل شرعي، ولكن الاستدلال به مبني على صحة فهمه، وصحة فهمه مبنية على تفسير الآيات، وتفسير الآيات مبني على معرفة أقوال السلف ومعرفة اللغة العربية والنحو والبلاغة والأصول وأسباب النزول .... إلى آخر هذه الأشياء، والتحقق من كل هذه الأشياء أصعب بكثير من التحقق من الإجماع.
والسنة دليل شرعي، ولكن الاستدلال بها أيضا مبني على معرفة اللغة العربية والصحيح والضعيف وأصول الفقه .... إلى آخر هذه الأشياء، والتحقق من كل ذلك أصعب بكثير من التحقق من الإجماع.
فمن أراد أن يستدل بنص شرعي فلا بد أن يبني استدلاله على قواعد التصحيح والتضعيف.
ولا بد أن يبني استدلاله على قواعد أصول الفقه.
ولا بد أن يبني استدلاله على قواعد اللغة العربية.
وجميع القواعد المذكورة في جميع العلوم هي إجماعات في أحسن أحوالها، فكيف نرد الإجماع بناء عليها؟
فالخلاصة أن القوادح المذكورة في الإجماع (إجمالا) موجودة بعينها أو أكثر منها في الأدلة الأخرى المعتبرة.
فإن قبلناها في الأدلة الأخرى وجب قبولها في الإجماع كما هو واضح، وإن رددناها في الإجماع وجب ردها في الأدلة الأخرى، وهذا ما لا يقول به أحد.
والحقيقة أنني لا أتصور مطلقا أي مسألة شرعية يستطيع أن يستدل عليها المستدل من غير أن يستند في بيانها إلى الإجماع، ومن أتاني بمسألة واحدة فجزاه الله خيرا.
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[22 - Mar-2008, صباحاً 08:34]ـ
وكل أنواع الأدلة يرد عليها ما قد يرد على الإجماع من ضعف في الدلالة
فهناك مثلا آيات واضحة الدلالة على المراد، وآيات واضحة الدلالة على خلاف المدعى، وبين ذلك وذلك مواضع اشتباه تختلف فيها أنظار العلماء، ولكن هذا لم يقدح في أصل الاستدلال بالقرآن.
وهناك أحاديث واضحة الدلالة على المراد، وأحاديث واضحة الدلالة على خلاف المدعى، وبين ذلك وذلك مواضع اشتباه تختلف فيها أنظار العلماء، ولكن هذا لا يقدح في أصل الاستدلال بالسنة.
فكذلك الإجماع، هناك إجماعات واضحة لا يختلف فيها اثنان، وإجماعات واضحة البطلان في حكايتها، وبين ذلك وذلك تختلف أنظار العلماء في قوة الإجماع ثبوتا أو ضعفا، ولكن هذا لا يمكن أن يقدح في أصل الاستدلال بالإجماع.
والمقصود أن عدم وضع ضوابط دقيقة تحدد منطقتي القبول والرد لا يقدح في الأصل المتفق عليه.
وغالبا ما يكون وضع مثل هذه الضوابط غير ممكن، فأكثر الضوابط والحدود التي يضعها أهل العلم منقوضة أو معترضة.
ـ[عبدالله الشهري]ــــــــ[22 - Mar-2008, صباحاً 11:01]ـ
جزاك الله خيرا. اشكرك على هذه الإضاءات المفيدة لأن مناقشة هذا الأمر بتوسع سيمكننا - إن شاء الله - من إثارة ضوابط عامة على الأقل في قبول الإجماعات أو ردها. وأراك قد اقتربت من محاولة وضع ضوابط لهذه القضية في مكان واحد فقط من كلامك أما باقي كلامك فبعيد نوعا ما عن أصل الموضوع وسيطول الكلام لو علقت على كل ما ذكرت. المحاولة المذكورة هي في قولك:
والإجماع باب من أبواب الإخبار فلا يمكن القدح فيه إلا بالقدح في المخبِر أو بإخبار مخبِر آخر بخطأ المخبر الأول.
فلو أخبر أحد العلماء بوجود الإجماع فلا يمكن القدح في هذا إلا بأمرين:
- أن نقدح في العالم نفسه وأنه ليس بموثوق في مثل هذا.
- أن نقدح في الإجماع الذي حكاه وذلك بأن نعارضه بذكر المخالفين من العصر المحكي عنه الإجماع.
وبغير هذين القادحين نكون كمن يقدح في خبر العدل بغير حجة.
أقول أيها الحبيب:
القدح لا يلزم أن يكون في العالم بقدر ما هو في نقله. مثال على ذلك الثقة الذي يتفرد بحديث لم يتابع عليه، وهو الشاذ عند الحاكم في معرفة علوم حديث. فبعض العلماء يرد هذا الخبر مع توثيقهم لجميع النقلة فقط لأن الرواي المتفرد لم يتابع على حديثه. فلا قدح في الراوي من حيث الحقيقة وإنما في المنقول. (مع أن النقاد قد يضعفون المكثر من التفرد دون متابع، وبعضهم يقول فيه: يكثر من الغرائب، أو يروي مناكير لم يتابع عليها و نحو ذلك). ومجرد التفرد بالنقل حجة عند البعض لرد الخبر ولو كان المتفرد ثقة.
مرة أخرى: الأحاديث لها ضوابط، ولو كان مختلف فيها، المهم أن هناك ضوابط متينة تساعد الباحث على الاقتراب من الحق ما أمكنه، أما في الإجماع المحكي الذي ينقله إمام مثلاً فما هي الضوابط، حتى ولو كانت عامة، حتى ولو كانت مختلف فيها، المهم أين هي وما هي؟
الإجماع مسألة لا ينبغي التساهل فيها - ولا التشدد طبعاً - ولذلك قال بعض العلماء أن الإجماع لم ينعقد بعد عصر الصحابة لأن انعقاده صعب.
¥