ـ[الحمادي]ــــــــ[11 - Mar-2008, مساء 07:24]ـ

الأخوان الخراشي وأبو عمر السلفي وفقهما الله:

آمل منكما أن تلتزما بأدبٍ مهم من آداب الحوار، وهو من حقي عليكما

فمن حقِّ المحاور أن تجيبَ عن الإشكالات التي يوردها عليك بإنصاف، ولا تنتقي ما تشاء مما تظن أنَّ لديك جواباً عنه، وتترك ما تعلمه ناقضاً لكلامك

وأظن أني التزمت معكما بهذا الأدب، ولم تلتزما به

وسأشرع في التعقيب على مشاركة أبي عمر السلفي رقم (11) ثم أتبعها بالتعقيب على مشاركة الخراشي:

أولاً/ مسألة (الفقه أكثره ظنون) وما ردَّ به أهل العلم المحققين في هذا الباب= مسألةٌ مغايرةٌ لما أتكلم عنه يا أبا عمر، فتلك المسألة أثارها كثيرٌ من المتكلمين، فقسَّموا مسائل الدين إلى قسمين:

1 - مسائل الاعتقاد، أو أصول الدين، وهذه المسائل هي العلوم اليقينية

2 - مسائل الفقه ومسائل العمل، وهذه مسائل ظنية، وذلك لتعظيم مباحثهم والتوهين والحط من شأن علم الفقه، وأنها ظنون وليست علماً

ثانياً/ قول الشيخ الأثيوبي بأنَّ الفقه أكثره قطعي, والقليل منه ظني= أخذه عن شيخ الإسلام ابن تيميَّة، ولكنه لم ينقله كما هو، بل تصرَّف فيه

فشيخ الإسلام ذكر أنَّ المسائل التي يحتاج إليها الناس في أمورهم العملية التي لابدَّ للناس منها من العلم بما يجب عليهم وما يحرم وما يباح= مسائل علمية قطعية

ومن ذلك تحريم الفواحش وأكل الربا وأكل المال بالباطل وأكل مال اليتيم وإيجاب الصلوات والحج والزكاة والصيام وبر الوالدين وصلة الأرحام

وتحريم الغيبة والنميمة والقذف وشرب الخمر وقتل النفس التي حرم الله وغير ذلك من الأمور العملية التي يحتاج إليها الناس في حياتهم

فهذه وأمثالها هي المسائل العملية التي يحتاج إليها أكثر الناس، وهي أمور معلومة يقينية لا تردد فيها

وبعض الأبواب المذكورة يندرج تحته عشراتُ المسائل بل مئات، كمسائل الحج والصيام والصلاة والزكاة وغيرها، فهل كل الفروع المندرجة تحت أبواب الحج والصيام والزكاة والصلاة وغيرها= قطعية؟ بل هل أكثرها قطعي؟

والله لا يقول هذا إلا من يجهل علم الفقه، وأنا على يقين أنه لا يريده الشيخ الأثيوبي؛ فهو عالمٌ يدرك ما يقول، لكن المشكلة في أفهام بعض القراء ممن لم يتبحر في كتب الأئمة

وقد قلت في كلامي الذي بنيتَ عليه مشاركتك:

وطلبُ اليقين لا يتيسر في أكثر مسائل الفروع، فاكتُفِيَ فيها بغلبة الظن

ومن يطلب اليقين فيها -أو في أكثرها- يطلب محالاً

ثالثاً/ قول الشيخ الأثيوبي ثم تعليقك عليه بما يلي:

4 - أن المتكلمين قد بنوا هذه المقاله - الفقه أكثره ظنون - على أصل فاسد , وهو أنه ليس لله في الأحكام حكم معين , بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده!!.

قال أبو عمر: أليس هذا هو منهج الإسلام اليوم وإن توشح لباس السنة والله المستعان؟

كلام الشيخ -حفظه الله- صحيح، لكنك علَّقتَ عليه بتعليق يدل على عدم فهمك لكلام الشيخ (ابتسامة)

فالشيخ الأثيوبي يريد أمراً غير ما تريد، وبالمناسبة فكلام الشيخ الأثيوبي ليس جديداً؛ فقد ذكره

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقيَّدته عندي قبل سنوات

ومرادهم بهذا الأصل الفاسد= هو القول بأنَّ كلَّ مجتهد مصيب، وأنَّ كلَّ من اجتهد في مسألة فقوله صواب

فمن قال بأنَّ المحرَّم هو الإسبال لخيلاء فقط فقوله صوابٌ، ومن قال بأنَّ المحرَّم هو الإسبال مطلقاً فكذلك قوله صواب!! فهل هذا هو منهج الإسلام اليوم!!

وإذا قلتم فاعدلوا يا أخي الكريم

وأكرر كلاماً قلته مراراً:

لست أدافع عن إسلام اليوم، لكن لابد من أن نكون منصفين في النقد، وأن نضع الأمور في نصابها

وإذا وصفنا شخصاً بأنه يسلك مسلك التمييع أو منهج التيسير المعاصر فلا يكون ذلك لأجل مسألة خلافية كهذه!

رابعاً/ غلبة الظن معمولٌ بها في عامة أمور الشرع؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وكذا الشاطبي وغيرهما

ومرادهم بغلبة الظن تلك المستندة إلى أدلة وقرائن، وليس ظناً مذموماً من غير دليل

فقد نهى الله تعالى عن اتباع الظن، وأمر بالعمل بالظن الغالب، وفرقٌ بين المسألتين

وتجد بيان هذا في كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فانظر المجلد الثالث عشر من مجموع الفتاوى وغيره، وعندي جملة مصادر أخرى

فالعمل بالظنِّ الغالب مأمورٌ به، سواء أكان حكماً بالإباحة أم بالتحريم أم بالإيجاب

وكلام شيخ الإسلام الذي نقلتَه في النهي عن اتباع الظن مراده به الظن المجرَّد الذي ليس عليه دليل

فهذا هو المنهي عنه، ودونك مجموع الفتاوى والاستقامة والفتاوى الكبرى وغيرها كثير

ففرقٌ بين الظن المجرَّد المنهي عن اتباعه، وبين غلبة الظن المبنيَّة على أدلة وإن لم تصل إلى درجة القطع بها، وهذ هو الذي توجَّه إليه كلامي سابقاً حيث قلتُ:

وطلبُ اليقين لا يتيسر في أكثر مسائل الفروع، فاكتُفِيَ فيها بغلبة الظن

ومن يطلب اليقين فيها -أو في أكثرها- يطلب محالاً

فتأمل الكلامَ قبل التعقيب عليه

وفقك الله

وأخيراً:

أود منك ومن الخراشي أن تركِّزا البحثَ في أصل المسألة التي عجزتما عن الكلام فيها بعلم وهي:

(هل دلالة الأحاديث على تحريم الإسبال لغير خيلاء دلالةٌ قطعيَّة بحيث لا يعذر فيها المخالف؟)

أتمنى أن أقرأ جواباً صريحاً لا مواربة فيه

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015