والأحناف مع ذلك يقيدون هذا الحكم بما إذا كان للمرأة أولياء أحياء، لأن عدم الصحة إنما كان على ما وجه به هذه الرواية دفعا لضررهم فإنه قد يتقرر لما ذكرنا أما ما يرجع إلى حقها فقد سقط برضاها بغير الكفء)) (79)

وللحنفية رواية أخرى في المسألة مشهورة وإن كانت مرجوحة؛ ألا هي أن العقد يكون صحيحا، ولكن يكون للولي حق الاعتراض عليه وطلب نقضه، ولا ينقض إلا بحكم القاضي، ولا يسقط الولي في هذا الحق إلا بالرضا صراحة أو دلالة؛ ومدرك هذه الرواية ومأخذها أن العقد وقع صحيحا، مستوفيا لشروطه وأركانه، ولكن ترتب عليه ما يمس حق غير العاقدين وهم الأولياء بالضرر، فيكون طلب نقض هذا العقد لرفع الضرر عن الأولياء.

والرأي الثالث عند الحنفية: أن حق الولي في الاعتراض على هذا العقد وطلب فسخه ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بما لم تلد المرأة، فإذا ولدت سقط حق الأولياء في الفسخ؛ ترجيحا لحق الولد، أن يحيا بين أبويه.

¤ التعارض بين الكفاءة النسبية والخصال الحسبية:

روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أن الذي أسلم بنفسه أو أعتق لو أحرز من الفضائل ما يقابل نسب الآخر كان كفؤا له (80)

وقال ابن عابدين: ودل كلامه على أن غير العربي لا يكافئ العربي، وإن كان حسيبا، لكن في جامع قاضي خان قالوا: الحسيب يكون كفؤا للنسيب؛ فالعالم العجمي يكون كفؤا للجاهل العربي والعلوية؛ لأن شرف العلم فوق شرف النسب، وارتضاه في فتح القدير، وجزم به البزازي، وزاد: والعالم الفقير يكون كفؤا للغني الجاهل؛ والوجه فيه ظاهر؛ لأن شرف العلم فوق شرف النسب، فشرف المال أولى (81).

وقال الإمام القرطبي: التقي المؤمن أفضل من الفاجر النسيب (82).

****************************** ****************************** *

الهوامش:

(1) ابن قتيبة: غريب الحديث: 2/ 197 - 198.

(2) ابن القطاع: الأفعال: 3/ 102.

(3) ابن مالك: إكمال الأعلام بتثليث الكلام: 2/ 546.

(4) الزَّبِيدِيّ: تاج العروس: 39/ 408.

(5) محمد سلام مدكور: الوجيز لأحكام الأسرة في الإسلام (القاهرة 1978م): 52، وانظر في ذلك: الأزهري: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي: 304، ابن مفلح: المطلع على أبواب المقتع: 321، المطرزي: المغرب في ترتيب المعرب: 410، النووي: تحرير ألفاظ التنبيه: 226، الرصاع: شرح حدود ابن عرفة: 162، الجرجاني: التغريفات: مادة: 1181، القونوي: أنيس الفقهاء: 149، المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف: 606، الأحمدي نكري: دستور العلماء: 3/ 89، وفي كتب الفروع: مغني المحتاج: 4/ 272، دقائق أولي النهى: 2/ 649، الموسوعة الفقهية: 34/ 266.

(6) الخطيب الشربيني: مغني المحتاج: 4/ 272.

(7) سيأتي تفصيل الكلام في الصفات المرعية للكفاءة وأدلة كل قول في الكلام على مذاهب الفقهاء في الكفاءة النسبية.

(8) المصدر الصناعي: أحد أنواع المصادر، به يتوصل إلى صوغ المصادر من الأسماء الجامدة وغيرها؛ بإضافة ياء النسب المشددة ثم التاء المعقودة؛ مأخوذا من المصدر كالخصوصية والفروسية والطفولية، أو من أسماء الأعيان؛ كالصخرية والخشبية وقد يؤخذ من المشتقات؛ كالقابلية والمسؤولية والحرية، أو من أداة من أدوات الكلام؛ كالكَمِّيَّة والكَيْفِيَّة والمَاهِيَّة. المعجم الوسيط: 1/ 525 - 526.

(9) الرازي: مختار الصحاح: 273.

(10) قال الجلال المحلي: الاعتبار بالأب فمن أبوه عجمي وأمه عربية , ليس كفؤا لمن أبوها عربي وأمها عجمية. شرح المنهاج (مع قليوبي وعميرة): 3/ 236.

(11) الجرجاني: التعريفات: 43، المناوي: التوقيف على مهمات التعاريف: 696.

(12) وقد يقال في تعريف الكفاءة النسبية: انتساب الزوجة إلى أب تشرف بنسبتها إليه بالنظر إلى مقابله؛ من أب الزوج. انظر: حاشيتي قليوبي وعميرة: 3/ 236، وبعضهم قصر الكفاءة النسبية على الديانة؛ بالانتساب إلى أهل الصلاح؛ فعرفها بالاتصال بشجرة النبوة أو بالعلماء الذين هم ورثة الانبياء، أو بالمرموقين في الزهد والصلاح. القرطبي: 16/ 348.

(13) انظر: ابن قدامة: المغني: 7/ 27، المبدع: 7/ 52، كشاف القناع: 5/ 67، دقائق أولي النهى: 5/ 87، السفاريني: غذاء الألباب: 2/ 408، مطالب أولي النهى: 5/ 85:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015