وقال أبو يوسف وزفر: لا يسقط حق الأولياء المتساوين في الدرجة والقوة إذا رضي بعضهم بالعقد؛ لأن حق الكفاءة يثبت مشتركا بين الكل، فإذا رضي أحدهم فقد أسقط حقه، فلا يسقط حق الباقين قياسا على الدين المشترك، ولأن رضا أحدهم ليس أقوى من رضاها وهي صاحبة المبتلاة بالزواج، المعالجة لشئونه، ومع ذلك فإنها إذا أسقطت حقها في الكفاءة ورضيت لا يسقط حق الأولياء فلا يسقط حق بعض الأولياء برضا بعضهم من باب أولى.

أما دعوى عدم قبول الولاية للتجزؤ وقياس حق الكفاءة على حق الأمان وحق العفو عن القصاص فقياس مع الفارق؛ فإن الذي لا يقبل التجزؤ إنما هو متعلقات الولاية المذكورة في الدليل من حق الأمان والعفو عن القصاص فإنهما اللذين لا يقبلان التجزؤ.

وقال الشافعية: الكفاءة حق للمرأة والولي واحدا كان أو جماعة مستوين في درجة حق طلب الكفاءة؛ فلا بد مع رضاها بغير الكفء من رضا الأولياء به، لا رضا أحدهم؛ لأن لهم حقا في الكفاءة فاعتبر رضاهم بتركها كالمرأة، فإن لم يتفق الأولياء في طلب الكفاءة، فللولي الأقرب أن يزوجها بغير الكفء برضاها، وليس للولي الأبعد الاعتراض (66).

وقال الحنابلة: الكفاءة حق للمرأة والأولياء العصبات كلهم قريبهم وبعيدهم، القريب والبعيد، حتى من يحدث منهم بعد العقد؛ لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة (67)، والرواية الأخرى عن أحمد، والتي خالف فيها الجمهور؛ أن الكفاءة حق لله فلا يصلح النكاح مع فراقها (68)، ولا تسقط بالإسقاط لا من الولي ولا من المرأة (69)، وذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الرواية تقصر الكفاءة على التدين والتقوى (70)، إلا أن تمثيل الحنابلة لها بما إذا تزوج المولى العربية فرق بينهما يناقض هذا القول ويجعل الكفاءة حتى على هذه الرواية على عمومها لتشمل النسب وغيره.

¤ مسقطات حق الكفاءة النسبيَّة:

مباشرة الأولياء العقد يكون مسقطا حقهم في طلب الكفاءة (71).

وظاهر هذا القول بإسقاط الكفاءة بمباشرة الأولياء عقد النكاح ـ: إذا كان الأولياء عالمين بحكم الكفاءة وبحقهم في المطالبة بها، أما من لم يعرف ذلك من الزوجة والأولياء؛ كغالب العوام، فهل سكوته عنها كاف في إسقاطها وصحة العقد أو لا؟:

الظاهر عند الشافعية أخذا من كلامهم أن العقد صحيح إن وقع إذن من الزوجة في التزويج، وإلا فلا، وخلافه: إذا زوجها بعض الأولياء برضاها ورضا الباقين غيرَ كفء صح، وإن لم تعرف الكفاءة لا هي ولا وليها؛ لأنهم مقصرون بترك البحث عن ذلك (72).

وهنا مسألة: إذا قال ولي المرأة: رضيت بزواجها من غير كفء، ولم يعلم بالزواج عينا، هل يكفي هذا الإطلاق في إبطال حق ذلك الولي في الكفاءة؟:

الراجح في هذه المسألة عدم سقوط حق ذلك الولي بهذا الإطلاق؛ استنادا إلى أن هذا الإطلاق رضا بمجهول، والرضا بالمجهول لا يصح؛ وخرَّج الأحناف هذا الفرع على ما في فتاوى قاضي خان؛ ألا هي مسألة: ما إذا استأذنها الولي ولم يسم الزوج؛ فقال قاضي خان: الرضا بالمجهول لا يتحقق (73).

¤ مشروط الكفاءة (الصحة أو النفاذ أو اللزوم):

اعتبر جمهور الفقهاء الكفاءة شرطا للزوم النكاح لا لصحته (74).

وفي رواية الحسن المختارة للفتوى عند الحنفية (75)، ورواية عن أحمد، أن الكفاءة شرط لصحة النكاح (76).

¤ آثار انتفاء الكفاءة:

المرأة العاقلة البالغة إذا زوجت نفسها (77) من غير كفء فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا العقد بين الفساد أو الصحة أو الوقف على التفصيل التالي:

الراجح عند الحنفية أن هذا العقد لا يكون صحيحا، وهو رواية محمد بن الحسن الشيباني عن أبي حنيفة، وذلك إذا كان لها ولي عاصب؛ ودليل هذا القول الاحتياط للعشرة الزوجية، ولأنه إن صح الزواج؛ فدخل بها ثم اعترض الولي ففسخ العقد مراعاة لحق ذلك الولي في الكفاءة، فقد يكون لها من الولد، أو يكون الزوج قد دخل بها، وبذلك يتقرر العار، ولا يمحوه فسخ العقد الذي شرع أصلا لرفع هذا العار عن أولياء المرأة، ويعلل الحنفية هذا الحكم بأن ((كثيرا من الأشياء لا يمكن دفعه بعد الوقوع، وليس كل وليٍّ يحسن المرافعة والخصومة، ولا كل قاض يعدل، ولو أحسن الولي، وعدل القاضي، فقد يترك آنفة للتردد على أبواب الحكام، واستثقالا لنفس الخصومات، فيتقرر الضرر، فكأنه منعه دفعا له)) (78).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015