(1) المراد من الآثار التي احتجوا بها أحكام الآخرة؛ فإن التفاضل في الآخرة بالتقوى:
ويجاب عن هذا الإيراد بعدم الممانعة، مع صحة إرادة المعنيين؛ فيكون التفاضل بين العباد في ميزان الشرع بالتقوى في أحكام الدنيا والآخرة، والأصل العموم إلا لدليل ما دام اللفظ يحتمل هذا العموم.
(2) وتأويل حديث بني بياضة بالندب إلى التواضع وترك طلب الكفاءة لا الإلزام، قال السرخسب: وبه نقول: إن عند الرضا يجوز العقد:
وهذا الدفع أيضا خفيف؛ لا سيما مع التعبير عن طلب تزويج أبي طيبة بفعل الأمر الدال على الوجوب، ولو كان للمرأة من بني بياضة أو لأوليائها الحق في الكفاءة النسبية لما ألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم ـ هذا الإلزام القوي الذي لا انفكاك عنه، وكيف والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يلزم بريرة بعد أن عتقت من البقاء تحت زوجها مغيثٍ القنِ بل شفع له عندها فقط، حتى قالت له بريرة: يا رسول الله، أتأمرني به؟ قال صلى الله عليه وسلم: إنما أنا شافع، قالت: فلا حاجة لي فيه (62).
(2) قولهم: إن الكفاءة غير معتبرة فيما هو أهم من النكاح، وهو الدماء فلأن لا تعتبر في النكاح أولى:
يرد عليه: أن هذا ليس بصحيح فإن الكفاءة غير معتبرة في الدين في باب الدم؛ حتى يقتلُ المسلمُ بالكافر؛ عند الحنفية، ولا يدل ذلك على أنه غير معتبر في النكاح.
ويجاب عن هذا الإيراد بأن فيه مصادرة إذ إنه مبني على مذهب الحنفية في جواز قتل المسلم بالكافر وهو على خلاف قول الجمهور؛ فلا يصلح حجة على خصم لا يسلم به.
¤ الترجيح:
اتضح من عرض مناقشة أدلة المذاهب الفقهية في الكفاءة النسبية ضعف أدلة مشترطيها من الجمهور، وقوة ما يرد عليها من إيرادات، ووجاهة أدلة مانعي اشتراط الكفاءة النسبية، يضاف إلى هذا أن القائلين باشتراط الكفاءة النسبية يقدمون عليها الحسب إذا توفر في الزوج صفات ترفعه من العلم أو المال أو الجاه فإنه يقدم كما سبق بيانه.
لكن يبقى للكفاءة وجه في بعض الحالات التي لا يكون فيها للزوج ما يرفع مكانته ليستأهل الزواج من النسيبة مع تحقق الضرر على المرأة وأوليائها بمصاهرته، بما يلحقهم من العار في بعض الأعراف (63) فحينئذ يبقى لاشتراط الكفاءة النسبية وجه من الحقية ونصيب من الاعتبار.
¤ الحكمة من اشتراط الكفاءة النسبية:
حكمة طلب الكفاءة وباعث الأولياء عليها دفع العار عن أنفسهم حتى لا ينسب إليهم بالمصاهرة من لا يكافئهم، أو من تعير المرأة وأولياؤها بمصاهرته (64).
¤ الحق في الكفاءة:
ذهب الفقهاء القائلون باشتراط الكفاءة إلى أنها حق للمرأة وللأولياء:
أما المرأة: فإن لها حقا في أن تصون نفسها عن ذل الاستفراش لمن لا يساويها في خصال الكفاءة؛ فكان لها الحق في الكفاءة.
وأما الأولياء: فإنهم يتفاخرون بعلو نسب الختن، ويتعيرون بدناءة نسبه، فيتضررون بذلك؛ فكان لهم أن يدفعوا الضرر عن أنفسهم بالاعتراض على نكاح من لا تتوافر فيه خصال الكفاءة؛ فاقتضى ذلك تقرير الحق لهم في الكفاءة.
وللفقهاء فيما وراء ذلك تفصيل قول:
قال الحنفية: الكفاءة حق للمرأة والولي الأقرب فالأقرب، فليس للولي الأبعد المطالبة بحق الكفاءة ما دام الولي الأقرب موجودا وأهلا للمطالبة به، ولذلك إذا تزوجت المرأة، وهذا رأي محمد الذي يقول: ((إذا تزوجت المرأة غير كفء فرضي به أحد الأولياء جاز ذلك , ولا يكون لمن هو مثله في الولاية أو أبعد منه أن ينقضه إلا أن يكون أقرب منه فحينئذ له المطالبة بالتفريق)) (65).
هذا إذا كان الولي القريب واحدا، فإن تعدد الأقربون؛ كإخوة أشقاء ورضي بعضهم قبل العقد أو وقت إنشائه ولم يرض الأخرون، فقد قال أبو حنيفة ومحمد: رضا البعض يزيل حق سائرهم في الاعتراض؛ لأم الولاية حق لا يقبل التجزئة، وسببه ألا هو القرابة لا يقبل التجزئة أيضا، فيثبت حق المطالبة بالكفاءة وغيرها من آثار الولاية لكل واحد من الأولياء كاملا؛ كحق الأمان، وحق العفو عن القصاص، فإذا قام به واحد فكأن الجميع قاموا به؛ فإذا رضي أحدهم بالعقد اعتبر ذلك رذا للجميع.
¥