ـ أن سلمان خطب بنت عمر رضي الله عنه فَهَمَّ أن يزوجها منه، ثم لم يتفق ذلك.
(3) الدليل العقلي:
وهو قياس الأولى؛ إذ إن الكفاءة غير معتبرة فيما هو أهم من النكاح؛ وهو الدماء؛ فلأن لا تعتبر في النكاح أولى.
ثالثا: مناقشة أدلة مشترطي الكفاءة:
(1) الاستدلال بحديث: ((قريش بعضهم أكفاء لبعض؛ بطن ببطن، والعرب بعضهم أكفاء لبعض؛ قبيلة بقبيلة، والموالي بعضهم أكفاء لبعض؛ رجل برجل)):
لا ينهض الحديث للاستدلال به فالحديث موضوع أو أحسن أحواله أن يكون شديد الضعف؛ قال البيهقي بعد إخراج الحديث في السنن الكبرى: ((هذا منقطع بين شجاع، وابن جريج؛ حيث لم يسم شجاع بعض أصحابه، ورواه عثمان بن عبد الرحمن، عن علي بن عروة الدمشقي، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر، وهو ضعيف، وروي من وجه آخر عن نافع وهو أيضا ضعيف بمرة)) (58)، والحديث أخرجه البزار من حديث معاذ، وفيه سليمان بن أبي الجون؛ قال الهيثمي: لم أجد من ذكره، وقال الحافظ: إسناده ضعيف (59)، وحكم عليه الألباني بالوضع (60).
(2) وأما الاستدلال بحديث: وفي حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء)):
فالحديث رواه أبو يعلي، وفيه مبشر بن عتيك وهو متروك.
(3) وأما حديث سلمان الفارسي قال: ((نهانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تنكح نساء العرب))، رواه الطبراني في الأوسط:
فرواه الطبراني في الأوسط، وفي إسناد الأوسط السري ابن اسماعيل وهو متروك.
(4) وأما حديث سلمان أيضا: نفضلكم بفضل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعني العرب لا ننكح نساءكم)):
فرواه الطبراني، في الكبير ورجاله ثقات، إلا أنه موقوف على سلمان وقول الصحابي لا حجة فيه ما لم يجمعوا، كما أنه معارض بشواهد عدم اعتبار الكفاءة النسبية في فعل النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة المذكورة في أدلة مانعي اشتراط الكفاءة وهي مشهورة مستفيضة.
(5) وأما حديث ثابت البناني ((أن أبا الدرداء ذهب مع سلمان الفارسي يخطب امرأة من بني ليث فدخل فذكر فضل سلمان وسابقته وإسلامه وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة، فقالوا أما سلمان فلا نزوجه ولكنا نزوجك، فتزوجها ثم خرج فقال: إنه قد كان شيء وإني استحي أن أذكر ذلك، قال: وما ذاك؟ فأخبره أبو الدرداء بالخير، فقال سلمان: أنا أحق أن استحي منك أن أخطبها، وكان قد قضاها لك)):
فرواه الطبراني ورجاله ثقات إلا أن ثابتا لم يسمع من سلمان ولا من أبي الدرداء؛ فالحديث منقطع فلا يصلح للاحتجاج به.
(6) وأما حديث عروة أن علي بن أبي طالب قال: ((يا بني لا تخرجن بناتكم إلا إلى الأكفاء، قالوا: يا أبانا، ومن الأكفاء؟ قال: ولد الزبير بن العوام)):
فرواه الطبراني، وفيه عبدالله بن محمد بن يحيى بن عروة وهو متروك، وهو أيضا قول صحابي لا ينهض للاحتجاج ما لم يجمعوا.
(7) وأما حديث واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)):
فالحديث في صحيح مسلم، لكنه مع صحته لا ينهض للاحتجاج به على اشتراط الكفاءة، إذ الدليل أعم من الدعوى؛ ولهذا ضعف الحافظ الاستدلال به على اشتراط الكفاءة النسبية؛ فقال: وفي الاحتجاج به نظر (61).
وأما الأدلة العقلية التي استدل بها مشترطو الكفاءة النسبية فيَرِدُ عليها ما يلي:
(1) الاستدلال بالعرف المعتمِد على طلب العرب للكفاءة:
هذا الاستدلال مناقض بأنه عرف خاص، والعرف الخاص العمل به ضعيف:
أما الأولى: فلأن مشترطي الكفاءة النسبية أنفسهم منعوا الكفاءة النسبية بين العجم وجعلوا مفاخرتهم بالإسلام، اعتمادا على أنهم ضيعوا أنسابهم، وهذا كاف في الدلالة على أن مراعاة الكفاءة عرف خاص.
(2) الاستدلال بأن في النكاح نوع ذلة؛ فلا يباح منه إلا ما اقتضته الضرورة:
هذا الاستدلال فيه نظر؛ حيث إن النصوص المفيدة أن النساء أسيرات عند أزواجهن مفسرة بمنع خروجهن من بيوتهن إلا بإذن أزواجهن، وليست العلاقة بين الزوج وزوجه من قبيل العلاقة بين العاني ومن أسره، فالمشبَّه لا يوافق المشبَّه به من كل وجه.
رابعا: مناقشة أدلة المانعين:
¥