(7) عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)) (55).
ثانيا: الأدلة العقلية على اعتبار الكفاءة النسبية في النكاح:
(1) ما زالت الكفاءة مطلوبة فيما بين العرب حتى في القتال، ففي النكاح أولى؛ بيانه: في قصة الثلاثة الذين خرجوا يوم بدر، للبِرَازِ عُتْبة وشَيبة والوليد، فخرج إليهم ثلاثة من فتيان الأنصار، فقالوا لهم: انتسبوا، فانتسبوا، فقالوا: أبناء قوم كرام، ولكنا نريد أَكْفَاءَنَا من قريش، فرجعوا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخبروه بذلك، فقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: صدقوا، وأمر حمزة وعليا وعبيدة بن الحارث ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ بأن يخرجوا إليهم؛ فلما لم ينكر عليهم طلب الكفاءة في القتال، ففي النكاح أولى؛ وهذا لأن النكاح يعقد للعمر، ويشتمل على أغراض ومقاصد من الصحبة والأُلفة والعشرة وتأسيس القرابات، وذلك لا يتم إلا بين الأكفاء، يضاف إلى هذا أن اعتماد العرف الكفاءةَ يجعلها معتبرة إذ العادة محكمة، والعرف من الأدلة التي نستفيد منها الأحكام على فرض عدم النص.
(2) وفي أصل الملك على المرأة نوع ذلة؛ وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((النكاح رق؛ فلينظر أحدكم أين يضع كريمته))، وقال في حق النساء: ((فإنهن عوان بينكم))، أي: أسيرات، وإذلال النفس حرام , قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ((ليس للمؤمن أن يذل نفسه))، وإنما جوز ما جوز منه؛ لأجل الضرورة، وفي استفراش من لا يكافئها زيادة الذل، ولا ضرورة في هذه الزيادة فلهذا اعتبرت الكفاءة.
ثانيا: أدلة المانعين:
(1) النصوص الدالة على تساوي الناس وأن التفاضل بينهم لا يكون إلا بالتقوى والعمل الصالح؛ من ذلك:
قوله صلى الله عليه وسلم: ((الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إنما الفضل بالتقوى))، وهذا الحديث يؤيده قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كلكم بنو آدم طف للصاع لم يملأ))، وقال: ((الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة واحدة))؛ فهذه الآثار تدل على المساواة، وأن التفاضل بالعمل، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.
(2) السنن العملية من فعل النبي صلى الله علايه وسلم ـ والصحابة مستفيضة بالتزويج مع عدم مراعاة الكفاءة النسبية؛ ومن ذلك:
ـ خطب أبو طيبة امرأة من بني بياضة، فأبوا أن يزوجوه، فقال ـ صلى الله عليه وسلم*ـ: ((زوجوا أبا طيبة؛ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير))، فقالوا: نعم وكرامة: وتأمل التعبير بفعل الأمر الدال على الوجوب دون إشارة إلى حق تلك المرأة ولا أوليائها في الكفاءة النسبية وقد انتفت هاهنا.
ـ وخطب بلال رضي الله عنه إلى قوم من العرب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قل لهم: إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يأمركم أن تزوجوني)).
ـ زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش الأسدية القرشية وأمها أميمة بنت عبد*المطلب بن هاشم بن عمرو بن عبد مناف فهي بنت عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وجدت في نفسها؛ وهي الحسيبة النسيبة أول الأمر، ومع ذلك زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا.
ـ زواج أسامة بن زيد بن حارثة من فاطمة بنت قيس بن خالد القرشية الفهرية (56).
ـ قصة تزويج النبي صلى الله عليه وسلم ـ جُلَيْبِيبًا؛ عن أنس قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم على جليبيب امرأة من الأنصار إلى أبيها، فقال: حتى أستأمر أمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فنعم إذا " قال: فانطلق الرجل إلى امرأته فذكر ذلك لها، فقالت: لاها الله إذا، ما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا جليبيبا وقد منعناها من فلان وفلان؟ قال: والجارية في سترها تستمع. قال: فانطلق الرجل يريد أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقالت الجارية: أتريدون أن تردوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره؟ إن كان قد رضيه لكم، فأنكحوه قال: فكأنها جلت عن أبويها، وقالا: صدقت. فذهب أبوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن كنت قد رضيته فقد رضيناه. قال: " فإني قد رضيته ". فزوجها (57)
¥