قالوا: قريش بعضهم لبعض أكفاء، والعرب بعضهم لبعض أكفاء، والموالي بعضهم أكفاء بعض:
فالقرشي كفء للقرشية على اختلاف القبيلة، ولا يعتبر التفاضل فيما بين قريش في الكفاءة، فالقرشي الذي ليس بهاشمي؛ كالتيمي، والأموي، والعدوي، كفء للهاشمية؛ لحديث: ((قريش بعضهم أكفاء لبعض)) (46)، وقريش تشتمل على بني هاشم وإن كان لبني هاشم من الفضيلة ما ليس لسائر قريش، لكن الشرع أسقط اعتبار تلك الفضيلة في باب النكاح، دليله فعلُ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه من عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان أمويا لا هاشميا، وزوج عليٌّ رضي الله عنه ابنته من عمر رضي الله عنه، ولم يكن هاشميا بل عدويا؛ فدل على أن الكفاءة في قريش لا تختص ببطن دون بطن.
واستثنى محمد بن الحسن الشيباني ـ من كفاءة القرشيين بعضهم لبعض ـ بيتَ الخلافة، فلم يجعل القرشي الذي ليس بهاشمي كفئا له؛ فلو تزوجت قرشيةٌ من أولاد الخلفاء قرشيا ليس من أولادهم، كان للأولياء حق الاعتراض، وبعض الأحناف علل هذا الاستثناء بالرغبة في تسكين الفتنة وتعظيم أمر الخلافة، لا لانعدام أصل الكفاءة (47).
والعرب بعضهم أَكْفَاءُ لبعض (48) بالنص، ولا تكون العرب كفئا لقريش؛ لفضيلة قريش على سائر العرب؛ ولذلك اختصت الإمامة بهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الأئمة من قريش)) (49).
والموالي بعضهم أكفاء بعض بالنص، ولا تكون الموالي أكفاء للعرب (50).
وموالي العرب أكفاء لموالي قريش (51).
ومفاخرة العجم بالإسلام ـ عند الحنفية ـ لا بالنسب؛ فمن له أبوان في الإسلام فصاعدا فهو من الأكفاء لمن له آباء فيه، ومن أسلم بنفسه أو له أب واحد في الإسلام لا يكون كفئا لمن له أبوان في الإسلام؛ لأن تمام النسب بالأب والجد، ومن أسلم بنفسه لا يكون كفئا لمن له أب واحد في الإسلام (52).
الأصح عند الشافعية اعتبار النسب في العجم كالعرب؛ قياسا عليهم؛ فالفرس أفضل من القبط؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس))، وبنو إسرائيل أفضل من القبط، ومقابل الأصح عندهم: أنه لا يعتبر النسب في العجم؛ لأنهم لا يعتنون بحفظ الأنساب ولا يدونونها بخلاف العرب (53).
واختلفت الرواية عن أحمد؛ فروي عنه أن غير قريش من العرب لا يكافئها، وغير بني هاشم لا يكافئهم؛ لحديث: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل , واصطفى قريشا من كنانة , واصطفى من قريش بني هاشم , واصطفاني من بني هاشم))، ولأن العرب فضلت على الأمم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقريش أخص به من سائر العرب، وبنو هاشم أخص به من قريش.
والرواية الثانية عن أحمد أن العرب بعضهم لبعض أكفاء، والعجم بعضهم لبعض أكفاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنتيه عثمان، وزوج عليٌّ عمرَ ابنتَه أمَّ كلثوم رضي الله تعالى عنهم (54).
¤ أدلة المذاهب في اشتراط الكفاءة النسبية:
أولا: أدلة مشترطي الكفاءة:
أولا: الأدلة النقلية على اعتبار الكفاءة النسبية في النكاح:
(1) قوله: صلى الله عليه وسلم ((قريش بعضهم أكفاء لبعض؛ بطن ببطن، والعرب بعضهم أكفاء لبعض؛ قبيلة بقبيلة، والموالي بعضهم أكفاء لبعض؛ رجل برجل)).
(2) وفي حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولا يزوجن إلا من الأكفاء)).
(3) عن سلمان الفارسي قال ((نهانا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن تنكح نساء العرب))، رواه الطبراني في الأوسط.
(4) عن سلمان أيضا: نفضلكم بفضل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعني العرب لا ننكح نساءكم)).
(5) عن ثابت البناني ((أن أبا الدرداء ذهب مع سلمان الفارسي يخطب امرأة من بني ليث فدخل فذكر فضل سلمان وسابقته وإسلامه وذكر أنه يخطب إليهم فتاتهم فلانة، فقالوا أما سلمان فلا نزوجه ولكنا نزوجك، فتزوجها ثم خرج فقال: إنه قد كان شيء وإني استحي أن أذكر ذلك، قال: وما ذاك؟ فأخبره أبو الدرداء بالخير، فقال سلمان: أنا أحق أن استحي منك أن أخطبها، وكان قد قضاها لك)).
(6) عن عروة أن علي بن أبي طالب قال: ((يا بني لا تخرجن بناتكم إلا إلى الأكفاء، قالوا: يا أبانا، ومن الأكفاء؟ قال: ولد الزبير بن العوام)).
¥