الاعتبار الثاني: المتعلق بظروف وملابسات اشتراط الكفاءة النسبية؛ وهي:

أولا: اشتراط الكفاءة مرعيُّ في الزوج فقط دون الزوجة (26): أي: يشترط أن يكون الرجل كفؤا للمرأة، ولا يشترط أن تكون المرأة كفؤا للرجل؛ وذلك لأن النصوص الواردة في الكفاءة تتجه كلها إلى اشتراطها من جانب الرجل؛ ولأن العار لا يلحق أسرة الرجل إذا تزوج من خسيسة، وهو يلحق أسرة المرأة إذا تزوجت من خسيس، ولأن الرجل الرفيع في نظر الناس يرفع امرأته، والمرأة لا ترفع خسيسة زوجها إن كانت رفيعة، ولأن الرجل يملك الطلاق في كل وقت، فيستطيع دفع المغبة عن نفسه بخلاف المرأة؛ فإنها لا تملك إيقاع الطلاق؛ بل أقصى ما تملك أن تطلب من القاضي التفريق في أحوال استثنائية خاصة (27).

ثانيا: اشترط فقهاء الحنفية الكفاءة في الزوجة في حالتين:

الحالة الأولى: إذا كان الزوج فاقد الأهلية أو ناقصها، وزوَّجه أولياؤه البعيدون، أو زوَّجه الأقربون؛ كالابن أو الأب أو الجد إذا عُرِفوا بسوء الاختيار أو عدم النصح للمولى عليه (28).

الحالة الثانية: وكذا إذا وكَّل الزوج من يزوجه توكيلا مطلقا (29).

فإنه يشترط في هاتين الصورتين؛ (فِقدان أو نقصان الأهلية، ووكالة التزويج المطلقة) توافر الكفاءة في الزوجة، وإنما اشترطت الكفاءة في جانب الزوجة في هذين الموضعين لأن الولاية في الأولى محدودة مقيدة بالكفاءة؛ إذ الولي في هذه الحال مقيد بالمصلحة الظاهرة لعدم توافر الشفقة، أو عدم توافر الرأي الكامل والمصلحة الظزاهرة في التقييد بالكفاءة ومهر المثل حيث لا ضمان لمراعاة مصالح خفية وراءها، أما في الصورة الثانية فلأن العرف قيد الإطلاق بالمرأة الكفء؛ فهو ـ كالولي في الصورة الأولى ـ معزول عن التزويج بغير كفء (30).

ثالثا: المعتبر في الكفاءة النسبية حال الأب، دون اعتبار حال الأم؛ فالعجمي أبا وإن كانت أمه عربية ليس كفء عربية أبا وإن كانت أمها أعجمية؛ لأن الله اصطفى العرب على غيرهم (31).

رابعا: أن الذين اعتبروا الكفاءة شرطا في النكاح يجعلون العبرة بحال الزوج في وقت إنشاء العقد؛ وزوال الكفاءة بعد ذلك لا يضر، ويعبرون عن هذا الحكم بأن الكفاءة شرط لابتداء النكاح لا في البقاء؛ فلو تزوجها وهو كفء في الديانة، ثم صار داعرا لا يفسخ النكاح (32)، ولو أعسر الزوج أو انتفى نسبه لا يثبت الخيار (33).

وعليه: فلا خيار لولي بحادث بالزوج بعد عقد النكاح لأن حقه في الكفاءة في الابتداء دون الدوام؛ لانتفاء العار فيه،؛ ومن فروعها: لو عتقت تحت قن ورضيت به لم تتخير (34).

وخالف في ذلك الحنابلة على رواية في المذهب عند أكثر المتقدمين، مفادها اعتبار الكفاءة شرطَ صحةٍ في النكاح؛ حقا لله تعالى وللزوجة وللأولياء جميعا؛ فعلى هذه الرواية لو زالت الكفاءة بعد العقد فللمرأة فقط ـ دون أوليائها ـ حقُّ الفسخ؛ وخرجوا على هذه الرواية عتق المرأة تحت عبد (35).

ولو وجدت الكفاءة في النكاح حال العقد؛ بأن يقول سيد العبد ـ بعد إيجاب النكاح ـ: قبلت له هذا النكاح وأعتقته، قال شيخ الإسلام: قياس المذهب صحته (36).

خامسا: الخلاف في اعتبار الكفاءة النسبية في الرجل جار بين الفقهاء ما لم يُنَصَّ على اشتراطها في أحد طرفي عقد النكاح، فإذا شُرِطَت الكفاءة النسبية في أحد الزوجين على الآخر صح ذلك الشرط، ومَلَكَ المشترِط الفسخَ عند فوت شرطه في أصح روايتي أحمد (37)، وأصح وجهي أصحاب الشافعي (38)، وظاهر مذهب مالك، والرواية الأخرى: لا يملك الفسخ إلا في شرط الحرية والدين، وفي شرط النسب على هذه الرواية وجهان (39)، وسواء كان المشترط هو المرأة في الرجل، أو الرجل في المرأة؛ بل اشتراط المرأة في الرجل أوكد باتفاق الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم (40).

¤ مذاهب الفقهاء في اشتراط الكفاءة النسبيَّة:

النسب من الخصال المعتبرة في الكفاءة عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة.

وذهب مالك وسفيان الثوري ـ على اختلاف في نقل مذهبه ـ إلى عدم اعتبار النسب في الكفاءة؛ قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولى , فأعظم ذلك إعظاما شديدا وقال: أهل الإسلام كلهم بعضهم لبعض أكفاء (41)، وكان سفيان الثوري يقول: ((لا تعتبر الكفاءة في النسب)) (42)، وهو مذهب الكرخي (43) والحسن البصري (44)، والبخاري (45).

ولجمهور الفقهاء القائلين باعتبار النسب في الكفاءة تفصيل:

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015