تحقيق: في حكم الصلاة مع النجاسة:

ـ بينا في حكم النجاسة أن إزالتها واجبة مع الذكر والقدرة، وهو أحد قولين في المذهب (المالكي). والقول الآخر يقول: إن إزالة النجاسة سنة، فلننقل بعضا من أدلة كلا القولين، ثم نسوق ما اعتمده صاحب " حاشية الصفتي على شرح العشماوية "، وصاحب " الفواكه الدواني ":

1 ـ من أدلة القائلين بالوجوب:

قوله تعالى: " وثبابك فطهر " سورة المدثر، قالوا: والمراد الصلاة، للإجماع على عدم الوجوب في غيرها.

ـ وحديث خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، فقال: "فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم، ثم صلي فيه " [رواه أحمد 2/ 364 وأبو داود رقم (365)]

ـ وحديث الأمر بغسل المذي (وقد ذكرته في باب شروط الصلاة، وفي نواقض الوضوء).

ـ ولما ورد من تعذيب من لم يتنزه من البول في القبر.

ـ وسأل رجل النبي (ص): أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: نعم، إلا أن ترى فيه شيئا فاغسله " [روه أحمد 97/ 5، وابن ماجه رقم (540)]

2 ـ من أدلة القائلين بالسنة:

ـ حديث عبد الله بن مسعود في قصة المشركين مع النبي (ص)، ووضعهم سلى الجزور على ظهره وهو ساجد لا يرفع رأسه. [رواه مسلم 1418/ 3]

ـ وحديث أبي سعيد الخدري، ,أنس، وابن عباس، وعبد الله بن شخير، ,وأبي هريرة، وابن مسعود في خلعه (ص) نعليه في الصلاة وقوله: " إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا " [رواه أحمد 92/ 3]. ولم يستأنف الصلاة. ولأدلة أخرى، منها: حديث عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله (ص) صلى العداة يوما ثم جلس، فقال رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم في الكساء، قالت: فقبض رسول الله (ص) عليها مع ما يليها، وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام، فقال: " اغسلي هذه " [رواه أبو داود رقم (388)] ولم ينقل أنه أعاد الصلاة.

3 ـ قال الشيخ يوسف الصفتي في حاشيته على شرح العشماوية:

ـ أحد القولين، وجوب إزالة النجاسة، والقول الآخر يقول: إن إزالة النجاسة سنة هو المعتمد كما أفاده شيخنا وغيره.

ـ وَرَدّ على التعذيب بسبب البول فقال: فما ورد من التعذيب في البول محمول بالنسبة لهذه الأمة على إبقائه بالقصبة، بحيث يبطل الوضوء، فإن الاستبراء واجب اتفاقا.

ـ وأيد القول بالسنية من غير المذهب، فقال: ربما شنّع بعض الناس على القول بالسنية وليس قاصرا على مذهبنا، فقد نقل القاضي عبد الوهاب: عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهم.

قال ابن عباس: ليس على الثوب جنابة، وقال سعيد بن جبير، لما سئل عن الوجوب: اتل علي قرآنا.

ـ وَرَدّ على الاستدلال بالآية الكريمة، فقال: وأما " وثيابك فطهر " فهو التطهير المعنوي من الرذائل، فإن هذه الآية نزلت قبل مشروعية الصلاة.

ـ وقال أحمد بن المُعدِّل: لو أن رجلين صلى أحدهما بالنجاسة عمدا في الوقت، وتعمد الثاني تأخير الصلاة حتى خرج الوقت، لم يستويا عند مسلم.

ـ وقال أيضا: ورد في الحديث أن المشركين وضعوا السلى الذي هو المشيمة، على ظهر النبي (ص) وهو يصلي، ولم يقطع الصلاة، فهذا يؤيد القول بالسنية.

ـ ثم ختم كلامه بقوله: والحاصل: أن المعتمد أن إزالة النجاسة سنة، فمن صلى بالنجاسة عامدا قادرا على إزالتها فصلاته صحيحة، ولا حرمة عليه، ولا يجب عليه الإعادة، نعم يستحب له الإعادة ما دام الوقت باقيا، قال:

(أفاده الشيخ في تقريره على الخرشي، وقرره شيخنا المرة بعد المرة، الكرة بعد الكرة، وهو سعة في الدين، ودين الله يسر. انتهى).

قال صاحب الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني: وهذا القول شهره ابن رشد لأنه قول ابن القاسم، ورواه مالك، ولفظه: رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة لا فريضة، لكن نقل عن ابن رشد قوله: وعليه فمن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت ولو عمدا، ورد القرطبي، بأنه لم يذكر عن أحد القول بالإعادة أبدا على القول بالسنية.

ونرجع إلى القول بالوجوب لنرى قول صاحب الفواكه، وهذا القول ـ يعني القول بالوجوب ـ ظاهر المدونة، وصدر به خليل، وصرح غير واحد بشمهوريته، واقتصر عليه ابن القصار .. إلخ.

ـ فأنت ترى أن كلا القولين شُهِرا في المذهب، ولكل دليله، وفي هذا سعة في الدين كما ذكر الصفتي، ولكن الاحتياط في العبادات ألزم، أن يُحتَفظ بهذا القول لمن استلزم، والله سبحانه وتعالى أعلم. انتهى.

المصدر: الفقه المالكي في ثوبه الجديد

الجزء الأول

تأليف الدكتور محمد بشير القفة.

ـ[مجدي فياض]ــــــــ[14 - Feb-2008, صباحاً 08:56]ـ

أخي الفاضل أبو هارون

بارك الله فيك

محل النقاش مع القائلين بوجوب إزالة النجاسة في الصلاة هل يتعدى ذلك لغير الصلاة أيضا أم في الصلاة فقط؟؟

وبالنتظار المشاركات للوصول إلى ما يرضي الله عز وجل

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[14 - Feb-2008, صباحاً 09:40]ـ

أخي الفاضل:

اسمح لي أخي الفاضل أن أناقشك مناقشة هادئة هادفة بغض النظر عن الراجح في هذه المسئلة:

1 - قولك أخي الفاضل: " الظاهر من الخطاب أنه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقال إن الخطاب للنبي خطاب لأمته؛ لأن السياق كله خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، فيحتاج في تخصيص هذا الجزء فقط إلى دليل"

كلام صحيح جدا في نظري ويؤيد قولك هذا أن سورتي المزمل والمدثر من أوائل السور التي نزلت والخطاب فيهما متعرض لشخص النبي صلى الله عليه وسلم وحده لأنه أمر بقيام الليل والإنذار إلى آخر الأوامر

فعلى هذا هل ترى أخي الفاضل أنه لا يصح الاستدلال بهذه الآية البتة على وجوب تطهير الثياب لمن عداه من المؤمنين لكون الآيات والسياق خاص بالنبي أم يقال أن العلة هنا هو تطهير بدن المصلي فيعم المؤمنين كلهم أيضا؟؟

وفقك الله يا أخي الكريم، ليس مرادي ذلك، وإنما مرادي معارضة من يستدل بظاهر الآية، فإن ظاهرها ما قلتُه، فإما أن يقول به وإما أن يرجع لقول جماهير العلماء.

أما أن يقول بالظاهر في موضع ويتركه في موضع، فهذا تلاعب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015