قلت: قد ذكر ابن دقيق العيد في (شرح العمدة)، في حديث: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ": إنه قد استدل جماعة من المتقدمين بانتفاء القبول على انتفاء الصحة، كما فعلوه في قولة صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار". قال: ولا يتم ذلك إلا بأن يكون انتفاء القبول دليلا على انتفاء الصحة.
قلت: وهذا هو الذي ذهب إليه أبو محمد ابن حزم.
ثم قال ابن دقيق العيد: وقد حرر المتأخرون في هذا بحثا؛ لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة، كالعبد إذا أبق لا يقبل الله له صلاة، وكما ورد فيمن أتى عرافا، وكشارب الخمر.
ثم قال: إنه إذا قيل: قد دل الدليل على أن القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، وتحتاج تلك الأحاديث التي نفي فيها القبول مع بقاء الصحة إلى تأويل أو تخريج جواب. انتهى.
قلت: معلوم أن حديث أبي هريرة _ وهو: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" _ لم يسق إلا لبيان أنه لا صحة لصلاة بلا وضوء، والقول بأنه قد علم عدم صحة الصلاة إلا بوضوء من أدلة أخر، لا تدفع الاستدلال بالحديث على نفي الصحة بنفي القبول؛ فإن الأدلة على الحكم الواحد قد تكون متعددة من الكتاب والسنة والإجماع، وقد تكون متكررة من نوع من هذه الأنواع.
ثم إنا لا نسلم صحة صلاة الآبق ومن ذكر معه، وأين الدليل على صحتها؟ وقولهم: الدليل عليه الإجماع بعدم أمر الآبق ونحوه بإعادة الصلاة، ممنوع وقوع الإجماع، وهذا ابن حزم وأبو هريرة مخالفان، على أن الإجماع نفسه ممنوع تحققه كما قرره الأئمة المحققون في الأصول وغيرها.
فالملازمة بين نفي الصحة ونفي القبول هي الأصل، والدليل على من ادعى خلافها. ولا شيء أدل على ذلك من أمره صلى الله عليه وآله وسلم للمسبل بإعادة وضوئه، ثم قوله معللا له ذلك: "إن الله لا يقبل صلاة مسبل إزاره"، فالأمر بالإعادة دليل على ملازمة عدم القبول لعدم الصحة، ومن ادعى عدم تلازمهما طولب بالدليل على دعواه، على أن الحديث دل على عدم صحة وضوء من صلى مسبلا ولا عذر عن ذلك.
هذا، وقد ذكر ابن العربي المالكي فرقا بين ما نفي عنه القبول مع بقاء الصحة، وما نفي عنه مع عدمها. وهي فروق مذهبية قد سقناها في حاشيتنا على (شرح العمدة)، وذكرها صاحب (طرح التثريب)، وهي مبنية على تسليم القول بالصحة مع عدم القبول، وهو محل النزاع.
وأخرج الترمذي من حديث أبي أمامة مرفوعا: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإمام أم قوما وهم له كارهون". قال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. وهو مشعر بأنه لا صحة لهذه الصلاة؛ لأنها لا ترفع، بل هي باقية في ذمته.
وأخرج ابن خزيمة وابن حبان والبيهقي، من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا: "ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة، ولا ترفع لهم إلى السماء حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مواليه ... "، الحديث.
فهذا الكلام في الطرفين الأولين: الإسبال في الصلاة لخيلاء وغيرها. وقد عرفت أنه عند النووي لا يضر بالصلاة إن كان للخيلاء، بل يكون فاعل محرم فيها، وأنه يكره فيها إذا كان لغير خيلاء، وأنه يبطلها عند ابن حزم إذا كان للخيلاء.
وأما في غير الصلاة:
فقال الإمام المهدي _ عليه السلام _ في (البحر): ويكره تطويل الثياب حتى يغطي الكعبين.
قال عليه المحقق المقبلي ما لفظه: هذه المسألة في السنة نار على علم في منع ما تحت الكعبين، وأنه في النار، وأن الحد وسط الساقين، فإن أبيت فإلى الكعبين.
والعجب من الفقهاء في تهوين أمرها، وكان الواجب أن يهولوا ما هولت السنة، ويهونوا ما هونته، وهم إنما يلتفتون إلى هذه المسألة أدنى التفات فيما طولوا من المصنفات، وقل من يزيدها على لفظ الكراهة الذي غلب استعمالهم لها في التنزيه دون الحظر، وان زعم زاعمون أن إطلاقها أصل في الحظر، فإن المعروف من استقراء كلامهم ما ذكرنا.
¥