وعن ابن عباس رضي الله عنه: "لا ينظر الله إلى مسبل".

وعن مجاهد: كان يقال: من مس إزاره كعبه، لم يقبل الله له صلاة.

قال: فهذا مجاهد يحكي ذلك عمن قبله وليسوا إلا الصحابة؛ لأنه ليس من صغار التابعين، بل من أوساطهم.

وعن ذر بن عبد الله المرهبي _ وهو من كبار التابعين _ قال: كان يقال: من جر ثوبه لم يقبل الله له صلاة.

قال: ولا نعلم لمن ذكرنا مخالفا من الصحابة.

ثم قال: قال علي _ يعني ابن حزم نفسه المؤلف _: فمن فعل في صلاته ما حرم عليه فعله فلم يصل كما أمره الله، فلا صلاة له.

ثم ساق بعض ما قدمناه من أحاديث الوعيد على من جر ثوبه وأسبله.

قلت: وقوله: فإن أسبله فزعا أو نسيانا فلا شي عليه، هو إشارة إلى ما أخرجه البخاري والنسائي، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنها لما كسفت الشمس، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فزعا يجر إزاره.

وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي، من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه، في قصة سجود السهو، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم خرج غضبان يجر إزاره.

فدل على أنه عند الفزع _ ومثله الغضب والنسيان _ لا يأثم بجر إزاره، وذلك لأنه لابد من قصد الفعل، والفزع والغضبان والناسي لا قصد لهم أصلا، بل لا يخطر ببالهم الإسبال، فلا يقال: إن فعله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك دليل على أن النهي عن الإسبال للتنزيه، وأنه فعله لبيان الجواز؛ لأنه لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم فعلا مقصودا، ولأنه تقدم في أحاديث الوعيد: الوعيد بالنار، الذي لا يكون إلا على فعل محرم.

ثم قال أبو محمد ابن حزم: وأما المرأة، فلها أن تسبل ذيل ما تلبس ذراعا. واستدل بما قدمناه من أحاديث الترخيص لها.

قلت: إلا أنه يتم الاستثناء الذي قاله إلا إذا صلت مع الرجال؛ للعلة، وهي انكشاف القدم، فيراه من يحرم عليه رؤيتها، وأما إذا صلت خالية في منزلها أو مع نساء مثلها، فالواجب تغطية القدم بلا زيادة، وذلك يتم من دون إسبال؛ كما يدل له قوله صلى الله عليه وآله وسلم _ لما سئل عن المرأة تصلي بدرع وخمار من غير إزار _ قال: "لا بأس إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها". انتهى.

فإن قلت: إذا كان الثوب طويلا ولفه بحزام أو نحوه وصلى فيه: أيذهب التحريم؟

قلت: نعم؛ لأنه يصدق عليه أنه يصل مسبلا. ويدل له ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم له: "ارفع إزارك" فرفعته، فقال: "زد" فزدته؛ فإنه دليل أنه لفه عليه، وحديث عطفه صلى الله عليه وآله وسلم الثوب الذي صلى عليه صاحبه مسبلا.

إن قلت: قد ذكر الشافعية كراهة شد المصلي وسطه.

قلت: إن تم لهم دليل ذلك، فهذا الشد لدفع الإسبال المحرم فلا تبقى كراهة، بل هو واجب. على أن دليلهم على ذلك، هو حديث: "ولا نكفت ثوبا"، والمراد: لا نكفت ما أبيح له عدم كفته، لا ما وجب عليه كفته.

فإن قلت: إذا صلى من يرى الإسبال مطلقا خلف مسبل جاهلا للتحريم، أو شافعي المذهب يرى أنه لا يحرم إلا للخيلاء، وأنه معها لا تبطل به الصلاة: هل يصح صلاة القائل بتحريمه مطلقا خلفه؟

قلت: أما في الصورة الأولى، فالجاهل غير آثم، فتصح الصلاة، ويجب تعريفه بأنه منهي عنه. وأما في الصورة الثانية، فالمسائل الخلافية: الإمام فيها حاكم، فيصح الصلاة. والدليل: حديث: "تصلون، فما صلح فلكم ولهم، وما فسد فعليهم دونكم". وفي معناه أحاديث الصلاة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، والأمر بالصلاة معهم.

واعلم أنه لم يصرح ببطلان صلاة المسبل خيلاء، إلا ابن حزم رحمه الله، ودليله نفي القبول في الأحاديث عن صلاة المسبل.

وقد طرد ابن حزم قاعدة نفي القبول في جعله دليلا على عدم الصحة، فجزم بعدم صحة صلاة العبد الآبق، فقال: (مسألة): أيما عبد أبق عن مولاه، فإنها لا تقبل له صلاة حتى يرجع، إلا أن يكون أبق لضرر محرم ولا يجد من ينصره عليه، فليس آبقا حينئذ إذا نوى البعد عنه فقط.

ثم استدل بحديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إذا أبق العبد لا يقبل الله له صلاة". قال: وبهذا يقول أبو هريرة. ثم ساق بإسناده إليه أنه قال: "إذا ابق العبد لا تقبل له صلاة ". قال: وهذا صاحب لا يعرف له من الصحابة مخالف. انتهى.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015