وتقييد كثير من الروايات بالخيلاء، بيان للحامل على ذلك في الأغلب. وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه _وقد قال حين سمع النهي: إني إذا لم أتعاهد إزاري يسترخي _: "لست ممن يفعل ذلك خيلاء"، أي: لست ممن يتعمد ذلك. وهذا ما نختاره من العمل بالمطلق وحمل المقيد على زيادة في موجب الحكم، فيكون التحريم عاما. انتهى.

قلت: نِعْمَ ما قال، أي: عاما في حال الخيلاء وغيرها. وهو يشير إلى ما نختاره، وهو مذهب الشافعي، وإليه يشير كلام النووي، وخالفهم الحنفية، ووافقهم صاحب (المنار).

وقال في (نجاح الطالب): المقيد إنما هو أحد الأفراد التي يصدق عليها المطلق، والنص على فرد من أفراد العام ليس بتخصيص مع اتفاق الحكمين، فكذا هنا. انتهى.

وقد بحث مع أئمة الأصول القائلين بالحمل، بما يظهر به قوة ما جنح إليه، مع أنه قد أشار هنا _ بقوله: بيان الحامل على ذلك في الأغلب _ إلى أن قيد الخيلاء خرج مخرج الأغلب، والمقيد إذا خرج مخرج الأغلب لم يعتبر له مفهوم عند جمهور أهل الأصول، كما قاله الجمهور في قوله تعالى: (وربائبكم التي في حجوركم. . .) الآية، لأن قيد (في حجوركم) أغلبي، فلا يعمل بمفهومه، فلا تحل الربيبة في غير الحجر، فكذلك الإسبال هنا، لا يحل مع عدم الخيلاء.

وفي كلام ابن الأثير ما يشعر بذلك، حيث قال: وإنما يفعل ذلك للخيلاء. ويؤيده: أن في بعض الأحاديث: "وإياك والإسبال، فإنه من المخيلة"، فجعل نفس الإسبال بعضا من المخيلة.

ثم وجدت _ بعد ثلاث سنين من تأليف هذه الرسالة _ في (فتح الباري شرح صحيح البخاري)، ما لفظه: قال ابن العربي: لا يجوز للرجل مجاوزة ثوبه كعبيه ويقول: لا أجره خيلاء، لأن النهي قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن تناوله اللفظ حكما أن يقول: لا أمتثله لأن تلك العلة ليست في؛ فإنها دعوى غير مسلمة، بل إطالته ذيله دال على تكبره. انتهى ملخصا.

ثم قال ابن حجر: وحاصله: أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصد اللابس الخيلاء. ويؤيده: ما أخرجه أحمد بن منيع، من وجه آخر عن ابن عمر _ في أثناء حديث رفعه _: "وإياك وجر الإزار، فإن جر الإزار من المخيلة. . .".

وأخرج النسائي وابن ماجة _ وصححه ابن حبان _ من حديث المغيرة: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخذا برداء سفيان بن سهل وهو يقول: "يا سفيان: لا تسبل، إن الله لا يحب المسبلين". انتهى.

وأما حديث أبي بكر رضي الله عنه، فالذي يظهر لي: أنه من باب نفي القيد والمقيد معا، وأن مراده صلى الله عليه وآله وسلم في جوابه عليه: أنك لا تسبل ولا تفعله مخيلة؛ وذلك أنه قال: إن إزاري يسترخي، وهذا ليس بإسبال؛ فإنه لابد أن يكون من فعل المسبل نفسه، وهنا نسب الاسترخاء إلى الإزار من غير إرادته.

فالجواب منه صلى الله عليه وآله وسلم من باب نفي القيد والمقيد، وهو نظير ما قاله صاحب (الكشاف) _ رحمه الله _ في قولة تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم): إنه نفي للتوبة والقبول، أي: لا توبة لهم ولا قبول. وأنشد البيت المعروف:

ولا يرى الضب بها ينجحر

ويؤيد أنه لابد من القصد في الإسبال، أنه لا يحرم جره حال الفزع والغضب والنسيان كما قدمناه. ولعل هذا الذي أراده صاحب (المنار)، وأشار إليه بقولة في حديث أبي بكر: "إنك لست ممن يتعمد ذلك"، وحينئذ فحديث أبي بكر ليس من محل النزاع في ورد ولا صدر، إنما توهم أبو بكر فسأل، فأجيب بأنه ليس من ذلك.

ثم وجدت في (التمهيد) لابن عبد البر _ بعد أيام من كتب هذه الرسالة _ ما لفظه: إنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي بكر: "إنك لست ممن يرضى ذلك ولا يتعمده، ولا يظن بك ذلك". انتهى. وهو بحمد الله صريح فيما قلناه.

ويدل له: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أذن لأمهات المؤمنين في إسبال ذيولهن ذراعا، ولم يقل لأم سلمه رضي الله عنها _ وقد سألته _: إنه ليس من المخيلة؛ لأنهن قاصدات لذلك، فهو مخيلة أو مظنة لها، لكن عارض مفسدة الإسبال مفسدة أعظم منها، وهي انكشاف أقدام النساء وهي عورة، فأذن لهن وإن حصلت المخيلة دفعا لأعظم المفسدتين بأخفهما، وحينئذ يتوجه الوعيد على الإسبال لغير النساء، ولكن تخص الإباحة بذيولهن لا بقميصهن وثياب البذلة التي تلبسها في منزلها خالية عن الأجانب.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015