وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن الأربع، من حديث أبي ذر رضي الله عنه، مرفوعا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب اليم: المسبل إزاره، والمنان الذي لا يعطي شيئا إلا منّه، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب".

وأخرج الطبراني عن ابن عمر رضي الله عنه، مرفوعا: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: المنان عطاءه، والمسبل إزاره خيلاء، ومدمن الخمر".

إذا عرفت هذا، فههنا لفظان: الإسبال والسدل. قال في (النهاية): المسبل إزاره: هو الذي يطول ثوبه ويرسله إلى الأرض إذا مشى، وإنما يفعل ذلك كبرا واختيالا.

قال: والسدل: هو أن يلتحف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك. وكانت اليهود تفعله، فنهوا عن ذلك. وهذا مطرد في القميص وغيره من الثياب.

وقيل: هو أن يضع وسط الإزار على رأسه، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله، من غير أن يجعلهما على كتفيه. ومنه حديث علي رضي الله عنه: أنه رأى قوما وهم يصلون وقد سدلوا ثيابهم، فقال: كأنهم اليهود. انتهى.

وبهذا يعرف أن تفسير ابن رسلان في شرحه للسنن للسدل والإسبال: بأنه إرسال طرفي الرداء _ وما في معناه من الطيلسان ونحوه _ حتى تصيب الأرض بذيلها، غير صحيح؛ لأنه بني على أنهما مترادفان، وكلام (النهاية) يقضي بتغايرهما، وهو الذي دل عليه صنيع البيهقي في (السنن الكبرى)؛ فإنه عقد لكل واحد بابا مستقلا.

ويدل له ما في (سنن الترمذي)؛ فإنه قال: (باب ما جاء في كراهية السدل في الصلاة). ثم ذكر بسنده إلى عسل بن سفيان، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن السدل في الصلاة. قال: وفي الباب عن أبي جحيفة. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة لا نعرفه من حديث عطاء [عن أبي هريرة مرفوعا] إلا من حديث عسل بن سفيان. انتهى.

قلت: عسل، بالمهملتين، الأولى مكسورة، والثانية ساكنة، وقيل: مفتوحة. هو أبو قرة البصري، ضعيف. قاله في (التقريب).

ثم قال الترمذي: قال بعضهم: إنما كره السدل إذا لم يكن عليه إلا ثوب واحد، فأما إذا كان عليه قميص فلا بأس. وهو قول أحمد. وكره ابن المبارك السدل في الصلاة. انتهى.

ثم ذكر الترمذي بابا آخر في جر الإزار، وذكر فيه حديث ابن عمر.

وهكذا أبو داود، جعل لكل بابا.

قال البيهقي: والسدل: إرسال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه، فإن ضمه فليس بسدل. قال: وروي عن ابن عمر _ في إحدى الروايتين _ أنه كرهه. وكرهه مجاهد وإبراهيم النخعي. ويذكر عن جابر بن عبد الله، ثم عن الحسن وابن سيرين، أنهم لم يروا به بأسا. وكأنهم إنما رخصوا فيه لمن فعله لغير مخيلة، وأما من يفعله بطرا فهو منهي عنه. انتهى.

والخيلاء والمخيلة، فسرهما ابن الأثير بالعجب والكبر.

ولنعد إلى تحرير المقال في الإسبال، فنقول: ههنا أربع صور: إسبال مع مخيلة، وبغيرها، في الصلاة، وفي غيرها.

الأول: الإسبال في الصلاة:

قال النووي: إنه في الصلاة وفي غيرها سواء، فإن كان للخيلاء فهو حرام، وإن كان لغير الخيلاء فهو مكروه. انتهى.

ثم قال: فأما السدل لغير الخيلاء في الصلاة، فهو خفيف؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر رضي الله عنه _ وقد قال: إن إزاري يسترخي، أي: يسقط من أحد شقي _: "إنك لست منهم". انتهى.

قلت: وكلامه مبني على تسليم مقدمتين: الأولى: حمل المطلق على المقيد. والثانية: القول بمفهوم الصفة. وفي المقدمتين نزاع طويل بين أئمة الأصول تأتي الإشارة إليه. ولم يذكر النووي: هل الصلاة صحيحة أو لا إذا أسبله فيها خيلاء؟ وكأنه يقول بصحتها، وغايته أنه صلى وهو فاعل محرم، فيكون كالصلاة في الدار المغصوبة، وهي عنده صحيحة وإن كان آثما.

وقال أبو محمد ابن حزم: (مسألة): ولا تجزئ صلاة من جر ثوبه خيلاء من الرجال، وأما المرأة فلها أن تسبل ذيل ما تلبسه ذراعا، فإن زادت على ذلك عالمة بالنهي بطلت صلاتها. وحق كل ثوب يلبسه الرجل أن يكون إلى الكعبين لا أسفل البتة، فإن أسبله فزعا أو نسيانا فلا شي عليه.

ثم ساق حديث مسلم عن ابن عمر، أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء". قال: فهذا عموم للسراويل [والإزار] والقميص وسائر ما يلبس.

ثم ذكر حديث ابن مسعود: "المسبل في الصلاة ليس من الله في حل ولا حرام".

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015