و قد أُشكل على بعض الأفاضل كون الأمرين وردا جميعًا في حديث واحد؛ و هو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: " إزرة المؤمن إلى إنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه و بين الكعبين، ما أسفل من ذلك ففي النار، ما أسفل من ذلك ففي النار. لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا ". و هذا لفظ الإمام مالك رحمه الله في الموطأ، و هو أصحها. و زعم بعضهم أن الجمع بين العقوبتين في لفظ واحد دليل على اختلافهما.

و الجواب: أن قوله " لا ينظر الله يوم القيامة ... " في الحديث هو تذييل لتقرير حكم و تعليله. و لذلك لم تعطف على ما قبلها، كما في الرواية السابقة، و إن كان قد أثبت بعضهم حرف العطف و لكن هذه أرجح. و المعنى: أن من أسبل ثوبه خيلاء وكبرًا، حق له أن يطأ في النار إلى كعبيه، لأن الله لا يرحمه يوم القيامة بل يمقته. و هذا ما فهمه الإمام مالك من الحديث، حيث أورده في (باب) ما جاء في إسبال الرجل ثوبه.

و الدليل " ما أسفل الكعبين " يراد به الإسبال، حديث جابر بن سليم رضي الله عنه الطويل وفيه:" وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة " رواه أحمد (4/ 64) و أبو داود (4084) و ابن حبان في صحيحه (521) و غيرهم.

و نظيره حديث ابن عمر رضي الله عنهما:" الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ". رواه ابن أبي شيبة في المصنف، و أبو داود (4094) والنسائي (8/ 208) وابن ماجة (3576) وغيرهم من طريق عبد العزيز بن أبي رواد.

فقد أجمل الإسبال المنهي عنه ثم بيّن المقصود بالنهي. فهل يصلح أن يقال: أنّ فيه حكمين؛ الإسبال مطلقًا، و الجر خيلاء؟؟؟ لا يمكن ذلك و لا يستقيم، لأنك أنّى توجهت وجدت الإسبال مرادفًا للجرّ و مقيّدًا بالمخيلة.

و من العلماء من قال: أن الوصف بالخيلاء خرج مخرج الغالب، والقيد إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له عند عامة الأصوليين - كما قال الشيخ بكر أبو زيد - كما في قوله: (و ربائبكم اللاتي في حجوركم)، فبنت المرأة محرمة على زوجها، ربيبة كانت عنده أم لا، ونحو قوله: (ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة)، فالربا قليلُه وكثيرُه حرام.

و الجواب: أن إلحاق هذه المسألة بما ذكر لا يستقيم لوجود الفارق؛ ذلك لأن دليل القيد بالخيلاء ليس بالمفهوم و إنما هو بالمنطوق و هو قوله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر رضي الله عنه: " إنك لست ممن يفعله خيلاء ".

و يقطع كلَّ تأويل حديثُ ابن عمر رضي الله عنهما الذي فيه:" من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة " رواه مسلم (2085) و أبو عوانة (8585) و غيرهما.

و هو نص صريح في أن الإسبال لا يحرم إلا إذا قُصد به الإختيال، و فيه أيضًا رد على من يزعم أن الإختيال يحصل بمجرد الإسبال و لو لم يخطر ببال المسبل.

و من الأدلة التي تعلق بها القائلون بحرمة الإسبال مطلقًا، حديث ابن عمر رضي الله عنهما من رواية نافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبرًا. فقالت: إذا تنكشف أقدامهن؟ قال: فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه." رواه النسائي (5336) و الترمذي (1731) و قال: حسن صحيح.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في (الفتح 10/ 259): ويستفاد من هذا الفهم التعقب على من قال أن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء ... ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال، من أجل ستر العورة، لأن جميع قدمها عورة. فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط. وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء ومراده منع الإسبال لتقريره صلى الله عليه وسلم أم سلمة على فهمها زاهـ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015