(2) واحتج الجمهور بقول النبي (ص) للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) فأحاله على الآية الكريمة، والأظهر أنه لا حجة فيه؛ فهو قطعة من حديث المسيء صلاته في إحدى رواياته، ومعلوم أن بعض الواجبات والأركان المجمَع عليها لم يأتِ لها ذكرٌ فيه كالتشهد والتسليم، فلا يصح أن يُجعَل صارفاً للأوامر بإطلاق. والله تعالى أعلم.

(3) هذا مذهب الحنابلة، والمالكية أيضاً: أن مسح جميع الرأس فرض. وفي رواية في المذهب: يكفي مسح بعضه وفاقاً للشافعية.

قال الشيخ عبدالله ابن بَيَّه: (والنزاع في المسألة هو نزاع يتعلق بموضع الباء، وهو بين النحاة أصلاً:

فذهب إلى أن الباء تأتي للتبعيض ابن مالك والقَتَبِيّ والفارسي والأصمعي، مستشهدين بقوله تعالى: {عَيْنَاً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ} أي: منها، ويقول أبي ذؤيب الهذلي: شربن بماء البحر ثم ترفعت متى لجج خضر لهن نئيج

وقول عنترة العبسي:

شربت بماء الدُّحرضين فأصبحت زوراءُ تنفرُ من حياض الديلم

وقول الآخر: شُربَ النزيف ببرد ماء الحشرج.

قلت: لم أجدها تحتمل التبعيض في غير محل النزاع – إلاّ في مفعول شرب، وهذا يضعف مذهب الشافعي وغيره.

أما القائلون بزيادة الباء فهم: أبو عبيدة والبصريون كما يظهر من كلام الزمخشري وهو بصري، حيث لم يحك خلافاً في زيادتها قبل المفعول في السعة، وكذلك شارحه ابن يعيش.

وما زعم ابن عصفور في "الضرائر" أنها لا تُزاد إلاّ في الضرورة مردود بعشرات الشواهد التي تدل على زيادة الباء في ستة مواضع، وهي: المبتدأ، والخبر، والحال المنفي عاملها، والنفس، والعين المؤكد بهما، والمفعول به ما بين آيةٍ وبيت شعرٍ يشهد لزيادتها قبل المفعول، جمعتها من كتب شتى منها: {ولاَ تُلْقُوا بِأيْديكُم}، {فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ} {وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّماءَ الدُّنيا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاها رُجُومَاً لِلشَياطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ وَللّذينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئسَ المَصِيرُ}، {ألَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللهَ يَرَى}، {وَهُزّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ}، {فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ}، وقول حسّان: تسقي الضجيع ببارد بسام، وقول الشاعر:

هُنَّ الحرائر لا رباتُ أحمرة سود المحاجر لا يقرأن بالسورِ.

وهذا يرجح مذهب مالك ويدل على حاجة الفقيه للغة) أ. هـ من "أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات".

(قلت): لا يظهر لي أن ما ذكره الشيخ -وفقه الله- كافٍ في رد حجة القائلين بجواز الاكتفاء بمسح بعض الرأس، فثبوت كونها للتبعيض في بعض شواهد العربية قوي لا سيما أنه قد قال بذلك أئمة يحتفى بهم. ولكنّ ترجيح القول بوجوب الاستيعاب ومسح جميع الرأس يتقوى باعتبار السنة الفعلية مبينةً لمجمَل القرآن في قوله تعالى: {وامسحوا برؤوسكم}. والله أعلم.

(4) وكذا الانتقال من عضو قريب إلى بعيد ثم الرجوع للقريب.

ـ[أبو يوسف التواب]ــــــــ[16 - Jan-2008, مساء 01:01]ـ

باب (المسح على الخفين)

*المسح: إمرار اليد المبلولة على الموضع.

*الخُفّ: ما يُلبس في الرِّجل من جلد ليستر القدمين.

قول المصنف: (يجوز المسح على الخفين) عند الجمهور حضراً و سفراً، وقد تواترت أدلة المسح عليها تواتراً معنوياً.

ومما تواتر حديثُُ مَن كَذَبْ ... ومَن بنى لله بيتاً واحتَسَبْ

ورؤيةٌ شفاعةٌ والحوضُ ... ومسحُ خفينِ وهذي بعضُ

والأحاديث كثيرة جداً في هذا الباب، فهو من الرُّخَص ومن يسر الشريعة.

وقوله: (وما أشبههما من الجوارب الصفيقة والجراميق التي تجاوز الكعبين) وقد ورد في المسح على الجوارب أحاديث مرفوعة متكلم فيها، ولكنَّ هناك آثاراً عديدة عن عدد من الصحابة ثابتة عنهم في ذلك.

* والجَوْرَب: ما كان على صورة الخُف من صوف أو كتان أو قطن - غير الجلد - ويلبس في الرِّجل. والجراميق جمع جُرْموق، وهو الخف القصير الذي يُلبَس فوق الخف وقايةً له.

* مسألة: أيهما أفضل: المسح على الخفين أم غَسل الرجلين؟

عند الحنابلة: أن المسح أفضل .. وفي رواية: أن الغسل أفضل كقول الجمهور. واختار شيخ الإسلام أنه إذا كان لابساً للخفين فالأفضل المسح فلا يتكلف نزعهما ليغسل، وإذا كانت القدمان مكشوفتين فالأفضل غسلهما.

* شروط المسح على الخفين:-

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015