يُفهَم من هذا أنها خارجة عن أصل, وهو تحريم ونجاسة الميتة, ويدخل في ذلك عظمها، وفاقاً للجمهور؛ لأنه من أجزائها وتحله الحياة: {قال من يحيي العظام وهي رميم}، ودليل حياتها: أنها تحس وتتألم. واختار شيخ الإسلام طهارة عظمها وفاقاً للأحناف، والمذهبُ الأول.
أما الصوف والشعر والوبر, فالمشهور من المذهب أنه طاهر من الحيوان الطاهر حال حياته, أما إذا كان الحيوان نجساً حال حياته فنجسة. وقد قال تعالى: {ومن أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها أثاثاً ومتاعاً إلى حين} ولم تفرِّق الآية بين المذكاة والميتة, فدل على إباحتها وطهارتها في الجميع، كما أن الفرق بينها وبين أعضاء الميتة ظاهر؛ فإنها لو قُطِعَت منها حال حياتها فإنها طاهرة إجماعاً بخلاف ما لو قُطِع عضوٌ منها حال الحياة فحكمه حكمُ الميتة، فدل ذلك على أنها تخالف حكم الميتة في التحريم. والله تعالى أعلم.
مسألة: ما حكم الآنية المتخذة من جلود الميتات؟
المذهب: أن اتخاذها لا يجوز وأنها نجسة ولو دُبِغت تلك الجلود, وهناك رواية في المذهب – قيل: إنها آخر الروايات عن الإمام وهي التي رجع إليها – وهو مذهب الجمهور واختيار شيخ الإسلام: أن جلد الميتة يطهر بالدباغ (3).
- ودليل مشهور المذهب: حديث عبد الله بن عُكَيم قال: أتانا كتاب النبي (ص) وأنا غلام (أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عَصَب) أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم.
وقد أجاب الجمهور عن الحديث بعدة أجوبة , أشهرها:
1 - ضعف حديث عبدالله بن عكيم هذا؛ فقد أُعِلَّ بالإرسال والاضطراب والجهالة.
2 - لو صح الحديث, فإن معنى الإهاب: الجلد قبل أن يُدبغ كما قال جمعٌ من أئمة اللغة، أما بعد الدبغ فيجوز الانتفاع به.
ويؤيد قول الجمهور, والرواية الموافقة لهم عن أحمد: حديث ابن عباس 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: (إذا دُبِغ الإهاب فقد طَهُر) مسلم. فهو الراجح إن شاء الله تعالى.
*مسألة: هل يشمل ذلك كل الجلود، حتى جلود السباع وجلد الكلب والخنزير؟
دل حديث ابن عباس 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - على أن جلد الميتة نجس وأن الدباغ يطهره، وبقي النظر في هذا العموم: هل جاء ما يُخصِّصه؟!.
والأظهر في ذلك: أن الدباغ إنما يطهِّر جلد ميتة مأكول اللحم، وأما ما لا يؤكل لحمه فلا يطهِّره الدباغ، وهي رواية في المذهب رجحها من الحنابلة: المجد ابن تيمية، وابن رزين، وابن عبد القوي، وشيخ الإسلام كما في "مجموع الفتاوى" في أحد قوليه (4).
فصارت الميتة النجسة على نوعين (5):
أحدهما: ما لا تفيد فيه الذكاة، كالكلاب والسباع. فهذه أجزاؤها كلها نجسة؛ ذُكِّيَت أم لا.
والثاني: ما تفيد فيه الذكاة، كالإبل والبقر والغنم والدجاج. فهذه أجزاؤها ثلاثة أقسام:
1 - قسم نجس مطلقاً: كاللحم والشحم ونحوها.
2 - وقسم طاهر مطلقاً: كالشعر والصوف والوبر والريش.
3 - وقسم فيه خلاف: وهو الجلدُ بعد الدبغ والعظامُ ونحوها.
قال المصنف: (كل ميتة نجسة إلا الآدمي) فإنه لا ينجس بالموت. وقوله: (وحيوان الماء الذي لا يعيش إلا فيه) أي فإنه طاهر حلال؛ لحديث أبي هريرة 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - أن النبي (ص) قال عن البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) الأربعة.
مسألة: ما لا نفس له سائلة -أي: ما ليس له دم من شأنه أن يسيل- من الحشرات طاهر (كالذباب والبعوض والقمل والبراغيث) ما لم يكن متولداً من النجاسات؛ لأن النبي (ص) أمر بغمس الذباب في الإناء إذا وقع فيه. البخاري.
فالأصل في الميتة أنها نجسة، إلا ما استثناه، وهو: ميتة الآدمي، وميتة البحر، وميتة ما لا نفس له سائلة من الحشرات.
-----
(1) ونظير ذلك قول الله تعالى: {لا تأكلوا الربا}، ولا قائل بقصر النهي على الأكل دون غيره، وقوله (ص): (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) مُشعِرٌ بالمنع منها مطلقاً، والعلة واحدة في جميع وجوه الاستعمال.
(2) عُرفاً، على القول الصحيح.
(3) الدباغ: معالجة جلد الحيوان بمادة ليزول ما به من رطوبات ونتن.
¥