ـ[كمال الجزائري]ــــــــ[17 - عز وجلec-2007, صباحاً 09:00]ـ
تعظيم الحرمات في الأشهر الحرم
للشيخ د/ رضا بوشامة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه الطاهرين.
فمن فضل الله تعالى على المسلمين أن جعل لهم مواسم للطاعات تتكرر، يذهب موسم ويجيء آخر، يجدد فيها العبد صلته بخالقه، فبعد أن ودَّع المسلمون شهر الخيرات والبركات، أطلَّ عليهم شهر الحج والمكرمات، وأهلَّ عليهم هلال ذي الحجة بالخير والتوفيق للمرضاة، إذ هو شهر يكثر فيه العمل الصالح من طواف بالبيت العتيق، ووقوف بعرفة، وتلبية، ونحر، وصيام وغير ذلك من صنوف الطاعات والقربات، فيه موسمٌ يجتمع فيه عباد الله على مرضات الله، تتوحد كلمتهم، يلهجون بذكره وإفراده بالعبادة، ذاك هو موسم الخيرات والحج والعبادات، فرضه الله تعالى على عباده مرة في العمر، ووفق فيه من أراد به خيرا لحج بيته العظيم، فيغفر للحجاج، ويعتق رقابهم من النار إذا أخلصوا له حجهم، وأطاعوه كما أمر سبحانه.
وأما من لم يحج من عباده، فلم يتركه ربه هملاً، بل شرع له من الطاعات ما يقربه إليه، من صدقات وبر وصيام، ففضَّل العمل في هذه العشر من ذي الحجة على غيرها من الأيام، بل أقسم الربُّ سبحانه وتعالى بهذه العشر في كتابه لرفعة منزلتها عنده وعلو شأنها، قال تعالى: ?وَالْفَجْر وَلَيَالٍ عَشْر?، قال غير واحد من السلف: «إنَّ الليالي العشر هي عشر ذي الحجة».
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام ـ يعني أيام العشر ـ قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» رواه البخاري.
وهذه العشر هي جزء من الأشهر الحرم، فذو الحجة من أشهر الله الحرم الذي عظمته العرب في جاهليتها واستمر تعظيمه في الإسلام، بل أوجب الله فيه ركنا من أركان الإسلام وهو الحج إلى بيت الله الحرام.
وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم حرمة هذا الشهر ووجوب تعظيمه في آخر حجة حجَّها صلى الله عليه وسلم، بل ذكر تعظيمه وحرمته في مواضع شتى وأماكن متعددة في حجته صلى الله عليه وسلم، وما ذلك إلا ليبين لأمته ويحذرهم أشد الحذر من انتهاك حرمة هذا الشهر، بقتل أو تخريب أو تدمير.
فمما جاء في خطبته التي ألقاها على المسلمين ـ على مَن كان شاهدا معه أو غاب عنه إلى يوم أن نلقى الله تعالى ـ فقال: «إنَّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: اللهم اشهد! اللهم اشهد! ثلاث مرات».
فحرم دم المسلم وماله، وحرم الربا، وحرم ظلم الناس وأوصى بهذه الوصايا النافعة الجامعة.
وكانت وصاياه هذه في أعظم يوم من أيام الحج، وهو يوم عرفة، ثم أعادها صلى الله عليه وسلم في يوم النحر، وهذا ما يدل على عظم قدر هذه الوصية روى البخاري في «صحيحه» عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب النّاس يوم النّحر فقال: «يا أيّها النّاس! أيّ يومٍ هذا؟ قالوا: يوم حرام؛ قال: فأي بلدٍ هذا؟ قالوا: بلد حرام؛ قال: فأي شهرٍ هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا؛ فأعادها مرارًا، ثمّ رفع رأسه فقال: اللهمّ هل بلّغت؛ اللهمّ هل بلّغت.
¥