البخاري مع الفتح 7/ 657 ح 4341)، ولا ريب أن الفقهاء الذين قالوا بهذا القول قصدوا هذا المعنى، فإذا كان هذا المعنى مقصوداً في عصرهم مع قلة الحجيج فإن هذه العلة آكد وأشد في هذا الزمان الذي أصبحت فيه أعداد الحجاج تزداد عاماً بعد عام، وما يحصل في ذلك من إزهاق النفوس البريئة أحياناً وهو أمر لا تقره الشريعة لكون المحافظة على النفوس المعصومة من الكليات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية على وجوب المحافظة عليها، أضف إلى ذلك ما يكون من تزاحم الرجال والنساء أثناء الرمي، وما ينتج عن ذلك من مخالفة الشريعة والمفاسد العظيمة التي لا تخفى، وهذا الأمر لن يتأتى إلا من خلال وقت أطول للرمي وعدم تحديده بما بعد الزوال، ولهذا أسَّس الفقهاء على ذلك قواعد شرعية كثيرة فيما يتعلق بالفروع من الأحكام منها قولهم (المشقة تجلب التيسير) وقولهم (إذا ضاق الأمر اتسع) وقولهم (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) ومنه تعلم أن بعض المفتين في زماننا أفتى بجواز الرمي ليلاً أيام التشريق، مراعاة لهذا المعنى، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرم أيام التشريق إلا نهاراً، ولا شك أن الرمي بعد الزوال هو الأفضل باتفاق أهل العلم، كما أن الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ونحوها فعل النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت يدل على الفضيلة باتفاق الجميع، فكل فعل وافق فعله صلى الله عليه وسلم هو الأفضل لكون ذلك من سنته صلى الله عليه وسلم، إنما الخلاف بين أهل العلم: هل يتعين ذلك شرطاً لصحة الرمي أو لا؟ والذي يظهر من الأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول عدم الاشتراط، بل ذلك يدل على الفضيلة للموافقة، ومعلوم أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم لا تحمل على الوجوب عند الجمهور إلا بقيود، وهذه مسألة أصولية يطول بحثها.
بناء على ما تقدم أرى جواز الرمي قبل الزوال للحاجة؛ لكثرة الأدلة التي تفيد هذا المعنى ولموافقة ذلك ليسر الشريعة وسماحتها ولجلالة القائلين بهذا القول وكثرتهم.
المبحث الثالث: الرمي ليلاً في أيام التشريق:
لا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرم ليلاً، وإنما كان رميه نهاراً بعد الزوال، وموافقة الرمي لفعله -صلى الله عليه وسلم- أفضل باتفاق أهل العلم، ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم رخَّص للرعاة أن يرموا ليلاً، ومن هنا اختلف أهل العلم في حكم الرمي ليلاً هل يجوز؟ وإذا جاز هل يكون أداء أو قضاء وبيان أقوالهم على النحو الآتي:
القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية في أصح الوجهين وابن حزم إلى جواز الرمي ليلاً وهو قول المالكية، إلا أنهم يرون أنه قضاء لا أداء، وبه قال طاووس وعروة بن الزبير والنخعي والحسن (بدائع الصنائع 3/ 122، المحلى 7/ 176، المنتقى 3/ 51، التاج والإكليل مع مواهب الجليل 3/ 133، المجموع 8/ 180، أضواء البيان 5/ 299).
أدلة هذا القول:
استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول (لا حرج) فسأل رجل فقال رميت بعدما أمسيت، فقال:"لا حرج" الصحيح مع الفتح (3/ 568). وهو دليل على جواز الرمي ليلاً؛ لأنه يصدق عليه اسم المساء.
2 - ما أخرجه مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع عن أبيه أن ابنه أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت صفية حتى أتيا منى بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن يرميا الجمرة حين أتيا ولم ير عليهما شيئا" الموطأ مع المنتقى (3/ 52). وهو ظاهر في جواز الرمي ليلاً.
3 - ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه رخَّص للرعاة أن يرموا بالليل في الزمان الأول (الموطأ مع المنتقى 8/ 180).
4 - ما رواه البيهقي في السنن والطحاوي في شرح معاني الآثار عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال صلى الله عليه وسلم الراعي يرعى بالنهار ويرمي بالليل" (شرح معاني الآثار للطحاوي 2/ 221) السنن الكبرى (5/ 32). فهذا وما قبله دليل على أن الرمي ليلاً له أصل في الشرع بدليل صحة الرمي من الرعاة.
5 - إن اليوم وقت للرمي والليل يتبعه في ذلك كليلة النحر تجعل تبعاً ليوم عرفة في حكم الوقوف.
6 - إن الرمي في الليل جائز؛ لأنه فعل من أفعال الحج، فجاز فعله بالليل كالطواف والسعي والوقوف.
¥