7 - إن الحاجة داعية إلى جواز الرمي ليلاً؛ لما في ذلك من التيسير على المسلمين، لكون الوقت بعد الزوال إلى الغروب لا يكفي لاستيعاب الأعداد الغفيرة من الحجيج.
القول الثاني: ذهب الحنابلة وإسحاق وهو أحد الوجهين عند الشافعية إلى عدم جواز الرمي ليلاً (حاشية الروض المربع 4/ 156، المجموع 8/ 180).
أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - ما أخرجه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال رمى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس (صحيح مسلم بشرح النووي 9/ 47) وهو دليل على الوجوب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يرم إلا نهاراً فلو كان الرمي ليلاً جائزاً لفعله صلى الله عليه وسلم ولو مرة، وفعله صلى الله عليه وسلم شرع لأمته على وجه الامتثال والتفسير، فكان حكمه حكم الأمر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح العمدة: والفعل إذا خرج مخرج الامتثال والتفسير كان حكمه حكم الأمر، وهو داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم:"خذوا عني مناسككم".
2 - ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل الذبح قال: اذبح ولا حرج فقال: رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج". فهذا صريح في وقوع الرمي نهاراً؛ لأن المساء يقصد به ما بعد الزوال، وذلك لوقوع السؤال يوم النحر، إذ لا يكون إلا قبل مغيب الشمس، قال الموفق في المغني ولأن القائل "رميت بعدما أمسيت أشكل عليه رميه مساءً بعد الزوال لعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى يوم النحر ضحى وأن رميه لم يوافق رمي النبي صلى الله عليه وسلم فلهذا قال:"رميت بعدما أمسيت، فاحتاج إلى أن يسأله بقوله: رميت بعدما أمسيت، أي رميه وقع في آخر النهار، ورمي النبي صلى الله عليه وسلم كان في أوله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ارم ولا حرج" (المغني 3/ 449).
3 - ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: من نسي أيام الجمار أو قال رمي الجمار إلى الليل فلا يرم حتى تزول الشمس من الغد" (السنن الكبرى 5/ 150). فهذا نهي صريح يفيد أن ابن عمر يرى عدم جواز الرمي ليلاً، وإلا لما قال فلا يرم حتى تزول الشمس. قال أبو الوليد الباجي:"إن وقت الرمي النهار دون الليل، ولذلك وصفت الأيام بالرمي دون الليالي في قوله تعالى:"واذكروا الله في أيام معدودات" فوصفت الأيام بأنها معدودات للجمار المعدودات فيها، فلا يجوز الرمي بالليل فمن رمى ليلاً أعاد. (المنتقى 3/ 22).
4 - ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه رخَّص للرعاة أن يرموا بالليل في الزمان الأول. (الموطأ مع المنتقى 3/ 51) وهذا دليل على أن الأصل منع الرمي في الليل؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضى أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن.
5 - ما رواه البيهقي في السنن والطحاوي في شرح معاني الآثار عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الراعي يرعى بالنهار ويرمي بالليل" (شرح معاني الآثار 2/ 221)، (السنن الكبرى 5/ 132)
6 - رمي الجمار عبادة نهارية أشبه بالصوم لا يقع ليلاً، وقد استمر عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة في اختصاص رميهم بالنهار، والخير والبركة في اتباع سبيلهم والاقتداء بآثارهم، وعدم الخروج عما كانوا عليه رضوان الله عليهم أجمعين (هداية الناسك للشيخ عبدالله بن حميد ص 48).
7 - لم ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رمى ليلاً، أو أقره لمن ليس له عذر، وهو القائل صلوات الله وسلامه عليه "خذوا عني مناسككم" وما عرف الرمي قربة إلا بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا شيء أحسن من التمسُّك بهديه والاقتداء بأفعاله، والأخذ بما عليه سلف هذه الأمة وأئمتها الذين هم القدوة (المصدر السابق).
الترجيح:
¥