قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله معقباً على الاستدلال بحديث ابن عباس رضي الله عنهما:"ووجه ذلك أنه يحتمل أن قوله بعدما أمسيت أي بعدما زال الزوال؛ لأنه يسمى مساء، ويحتمل أن يكون بعدما استحكم المساء وغابت الشمس فيكون فيه دلالة على جوازه بالليل، ودليل أيضاً على جوازه قبل الزوال لأن سؤاله عن جواز الرخصة في الرمي بعد المساء كالمتقرر عندهم جوازه في جميع اليوم، بل ظاهر حال السائل يدل على أن الرمي قبل الزوال هو الذي يخاطره، وإنما أشكل عليه الرمي بعد الزوال فلذلك سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

3 - حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل أو أية ساعة من النهار أخرجه الدارقطني (2/ 276) وفي إسناد هذا الحديث ضعف وله شواهد عن ابن عباس وابن عمر ضعيفة أيضاً قال ابن قدامة "وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا لأنهم في معناهم" (الكافي 1/ 195).

4 - قول ابن عمر في رواية البخاري لمن سأله عن وقت الرمي، إذا رمى إمامك فارم، ولو كان المتعين عنده الرمي بعد الزوال لبينه للسائل.

5 - ما أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن ابن جريج عن ابن أبي مليكه قال: رمقت ابن عباس رماها عند الظهيرة قبل أن تزول (المصنف 3/ 319).

6 - ما رواه الفاكهي في أخبار مكة قال: حدثنا محمد بن أبي عمر، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، قال: ذهبت أرمي الجمار فسألت: هل رمى عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- فقالوا: لا ولكن قد رمى أمير المؤمنين يعنون ابن الزبير" قال عنه الدكتور عبد الملك بن دهيش إسناده صحيح (أخبار مكة 4/ 298)، وفي تصحيحه نظر وذلك لأمرين، الأمر الأول: تفرد الفاكهي بروايته وهو ضعيف فيما تفرد به. الأمر الثاني: الجهالة في إسناده فإن عمرو بن دينار لم يسم من أخبره.

7 - إن أيام التشريق كلها ليلها ونهارها أيام أكل وشرب، وذكر لله، وكلها أوقات ذبح ليلها ونهارها وكلها -على القول الصحيح- أوقات حلق كلها يتعلق بها على القول المختار طواف الحج وسعيه في حق غير المعذور، وإنما تتفاوت بعض هذه المسائل في الفضيلة فكذلك الرمي (الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص333).

8 - إن الرمي قبل الزوال أمر مسكوت عنه، ولو كان غير جائز لبينه النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أن الأعداد الغفيرة التي حجت مع النبي صلى الله عليه وسلم لا يبعد أن بعضهم رمى قبل الزوال، فلو كان الأمر منهياً عنه لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين لغيلمه بني عبد المطلب يوم النحر لا ترموا قبل طلوع الشمس.

9 - إن جواز الرمي من الصباح إلى الغروب وما بعده دليل من أدلة سهولة الإسلام ويسره لأن أعداد الحجاج تزداد عاماً بعد عام، ويحصل من الزحام ما يكون فيه من الحرج والمشقة الذي لا يتفق مع سماحة الإسلام، بل إن ذلك قد يفضي إلى إزهاق أرواح بريئة بسبب الدهس تحت الأقدام، فهؤلاء الفقهاء الذين رأوا الرمي قبل الزوال قصدوا التخفيف عن الحجاج من مشقة الزحام الذي يتأتى من الرمي في وقت واحد، كما قصدوا التيسير على المتعجل إذا كان يريد اللحاق بركبه، أو الرجوع إلى أهله في وقت معين.

10 - القياس يقتضي جواز الرمي قبل الزوال وهو قياس ما قبل الزوال في أيام التشريق على ما قبل الزوال في يوم النحر، فكما أنه يجوز الرمي قبل الزوال في يوم النحر فكذا ما بعده؛ لأن الكل أيام للنحر.

ومنه تعلم أن الرمي بعد الزوال هو الموافق لسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو المستحب باتفاق أهل العلم، وأن الرمي قبل الزوال قال به علماء أجلاء من السلف له أدلته وهو الذي يتفق مع سماحة الشريعة ويسرها، فإن من سنة الله في خلقه التيسير عليهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، يحققه قوله تعالى:"لا يكلف الله نفساً إلا وسعها" [البقرة:286] وقوله تعالى:"وما جعل عليكم في الدين من حرج" [الحج:78] وقوله تعالى:"فاتقوا الله ما استطعتم" [التغابن:16] وقوله:"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [البقرة:185] هذا من الكتاب، ولا ريب أن السنة النبوية تفيد هذا المعنى أيضاً، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (صحيح البخاري مع الفتح 13/ 264 ح 7288) وقوله عليه الصلاة والسلام:"يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" (صحيح

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015