ولا شك أن هذه الأدلة تفيد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرمي بعد الزوال في أيام التشريق، ولا نزاع في ذلك بل هو المستحب قطعاً، إنما النزاع في اشتراطه لصحة الرمي.
6 - ما أخرجه مالك في الموطأ قال حدثني نافع عن ابن عمر أنه قال: لا ترمي الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس (الموطأ ح918) وهذا نفي يراد به النهي، وهو اجتهاد من ابن عمر رضي الله عنهما ومعلوم حرصه رضي الله عنه على العمل بالسنة.
القول الثاني: جواز الرمي قبل الزوال يوم النفر الآخر وهو قول عكرمة، وإسحاق والمشهور عن أبي حنيفة ورواية عن أحمد، إلا أنه اشترط ألا ينفر إلا بعد الزوال، وفي رواية عن أبي حنيفة جواز الرمي قبل الزوال في النفر الأول إن كان قصده التعجل.
واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - قوله تعالى:"واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه" [البقرة:203]، وجه الدلالة: أن الله رخَّص في التعجل في يومين، وجعل اليوم كله محلاً للتعجل، واليوم ظرف لما يصدق عليه اسم اليوم ولو ببعض الساعات الأولى من النهار، فمن تعجل ورمى قبل الزوال فقد دخل في رخصة الله عز وجل.
2 - ما رواه البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إذا انتفخ النهار من يوم النفر الآخر فقد حل الرمي والصدر" والانتفاخ هو الارتفاع، وفي إسناده هذا الأثر ضعف (السنن الكبرى 5/ 152).
3 - أن له أن ينفر قبل اليوم الثالث ويترك الرمي، فإذا جاز له النفر جاز الرمي.
القول الثالث: جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق كلها، وبه قال طاووس بن كيسان وأبو جعفر محمد بن علي وعطاء بن أبي رباح في إحدى الروايتين، وهو رواية عند أبي حنيفة (بدائع الصنائع 2/ 137) وقد وردت أقوال في مذهب الحنابلة تؤيد الرمي قبل الزوال في أيام التشريق، قال في الفروع وجوزه ابن الجوزي قبل الزوال (الفروع 3/ 518) وفي الإنصاف نقله عن الفروع ثم قال:"وفي الواضح: ويجوز الرمي بطلوع الشمس إلا ثالث يوم، وأطلق في منسكه أيضاً أن له الرمي من أول يوم، وأنه يرمي في اليوم الثالث كاليومين قبله ثم ينفر" وعنه يجوز رمي المتعجل قبل الزوال وينفر بعده، ونقل ابن منصور إن رمى عند طلوعها متعجل، ثم نفر كأنه لم ير عليه دماً، وجزم به الزركشي (الإنصاف 4/ 45 والمبدع 3/ 250) وفي الذيل على طبقات الحنابلة قال ابن الزاغوني في مناسكه "أن رمي الجمار أيام منى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده والأفضل بعده (شرح الزركشي 3/ 278) وقال الزركشي "وشرط صحة الرمي في الجميع أن يكون بعد الزوال على المشهور، المختار للأصحاب من الروايتين" (شرح الزركشي 3/ 278). وإليه ذهب أيضاً محمد الباقر من أهل البيت وابن عقيل من الحنابلة والرافعي من الشافعية، ومن المعاصرين الشيخ عبد الله آل محمود والشيخ مصطفى الزرقا والشيخ صالح البليهي، وقوَّاه الشيخ عبد الرحمن السعدي في الأجوبة النافعة في المسائل الواقعة.
أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بما يلي:
1 - قوله تعالى:"واذكروا الله في أيام معدودات" [البقرة:203] والرمي من الذكر كما صح عن عائشة عند الدارمي وغيره، فجعل اليوم كله محلاً للذكر ومنه الرمي (السنن 2/ 71).
2 - ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل يوم النحر بمنى فيقول لا حرج، فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح فقال: اذبح ولا حرج. وقال آخر: رميت بعدما أمسيت فقال: لا حرج، وأنه صلى الله عليه وسلم ما سئل في ذلك اليوم عن شيء قدِّم أو أُخر إلا قال افعل ولا حرج" صحيح البخاري (1735).
وهو إشارة ظاهرة إلى عدم اشتراط زمن معين بالنسبة للتقديم والتأخير، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم العيد وبين للناس ما يحتاجون إليه فنفى صلى الله عليه وسلم وقوع الحرج من كل ما يفعله الحاج من التقديم والتأخير لأعمال الحج التي تفعل يوم العيد وأيام التشريق، فلو كان يوجد وقت نهي غير قابل للرمي لبينه بنص جلي قطعي، خاصة أنه خطب الناس بعد ذلك أوسط أيام التشريق والناس مظنة للتقديم والتأخير في بقية أيام التشريق كما كانوا يوم النحر، ومع ذلك لم ينههم النبي -صلى الله عليه وسلم- ببيان ظاهر وإنما أبقاهم على ما فهموه يوم النحر من نفي الحرج من التقديم والتأخير.
¥