القول الثالث: يمتد وقته إلى آخر أيام التشريق أداء لا قضاء، وبه قال الحنابلة والشافعية في أحد القولين واقتصر عليه الشافعي في الأم، واستدلوا بأن الرمي في حكم نسك واحد وإن اختلف زمانه ومكانه، فلا يتحقق الفوات فيه إلا بفوات وقته وذلك بمضي آخر أيام التشريق لأن أيام التشريق وقت للرمي.

هذا ما قاله الفقهاء في هذه المسألة ومنه يتبين ما يلي:

أ- لا ريب أنهم متفقون على استحباب رميها من بعد طلوع الشمس إلى الزوال لفعله صلى الله عليه وسلم.

ب- من المعلوم أن الفقهاء الأربعة متفقون على أن اليوم من الطلوع إلى الغروب وقت للرمي أداء لا قضاء.

ج- لا شك أن جمهور الفقهاء يرون جواز الرمي ليلاً وألاَّ يقصر على غروب الشمس وهو الأظهر لما يلي:

1. قوة أدلة هذا القول مع كثرتها كما تبين عند عرضها فهي صحيحة وصريحة في هذا الباب.

2. من المعلوم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن بداية الوقت في هذا اليوم بالنسبة للرمي، ولم يبين النهاية، فدل على أنه أراد التيسير على الأمة.

3. ولا يخفى على كل ذي بصيرة بالشريعة أن مبناها على التيسير والتسهيل ورفع الحرج عن الأمة، ولا ريب أن توسعة وقت الرمي في هذا اليوم يحقق هذا المعنى خصوصاً مع كثرة الحجيج في هذا الزمان، وما يحصل بسبب الزحام عند الرمي خصوصاً في اليوم الأول من المفاسد التي لا تقرها الشريعة.

4. لا يخفى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أذن للسقاة والرعاة ومن في حكمهم أن يجمعوا الرمي في يوم واحد وهو اليوم الثاني أو الثالث من أيام التشريق، وإنما أراد بذلك صلى الله عليه وسلم التيسير عليهم، وسيتضح كل هذا المعنى جلياً عند الكلام على حكم الرمي ليلاً وقبل الزوال.

المبحث الثاني: الرمي قبل الزوال:

لا ريب أن رمي الجمرات نسك من أنساك الحج، ولا ريب أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال في أيام التشريق، ومن المعلوم يقيناً أن الذين شهدوا حجته صلى الله عليه وسلم كان عددهم أقل بكثير من عدد الحجيج في هذا الزمان، ولا يخفى على كل منصف عالم بالشريعة أن مبناها على التيسير والتسهيل ودفع الحرج ورفعه عن الأمة، ونصوص الشرع من الكتاب والسنة شاهدة بذلك، ولا يخفى عليك أنه لم يرد دليل صريح لا من الكتاب ولا من السنة ولا من الإجماع ولا من القياس في النهي عن الرمي قبل الزوال.

ومن هنا اختلف أهل العلم في رميه صلى الله عليه وسلم بعد الزوال، هل ذلك شرط لصحة الرمي في أيام التشريق، أو أنه يحمل على الاستحباب دون الوجوب؟ ولا شك أن الفقهاء يفرقون بين القول والفعل بالنسبة للوجوب وعدمه، فأكثر الفقهاء يحملون فعله صلى الله عليه وسلم على عدم الوجوب؛ لأمور كثيرة يأتي ذكر بعضها، ولا خلاف بينهم في استحباب الرمي بعد الزوال في هذه المسألة؛ لأنه موافق لفعله صلى الله عليه وسلم، وإنما الخلاف في الوجوب كما قلنا، والمنقول في ذلك ثلاثة أقوال.

القول الأول: قول الجمهور: وهو عدم جواز الرمي قبل الزوال وبه قالت المالكية والشافعية والحنفية في رواية والحنابلة في المشهور. بداية المجتهد (1/ 350)، بدائع الصنائع

(2/ 137)، الفروع (3/ 518).

أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول على عدم جواز الرمي قبل الزوال بما يلي:

1 - عن جابر قال: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رمى الجمرة ضحى يوم النحر وحده، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس (الصحيح مع الفتح 3/ 579 وصحيح مسلم بشرح النووي 9/ 47)

2 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس (مختصر سنن أبي داود 2/ 416)

3 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمار حين زالت الشمس (الجامع مع التحفة 3/ 641 قال الترمذي: حديث حسن صحيح).

4 - أخرج البيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا ترمى الجمرة حتى يميل النهار. السنن الكبرى (5/ 152).

5 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا (الصحيح مع الفتح 3/ 579) فهذا دليل على أنهم كانوا ينتظرون ويترقبون زوال الشمس فلا يرمون قبله، ولو كان الرمي جائزاً قبله لم ينتظروا.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015