قال ابن القيم:"ثم تأملنا فإذا أنه لا تعارض بين هذه الأحاديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصبيان أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس فإنه لا عذر لهم في تقديم الرمي، أما من قدمه من النساء فرمين قبل طلوع الشمس للعذر والخوف عليهن من مزاحمة الناس وحطمهم، وهذا الذي دلت عليه السنة جواز الرمي قبل طلوع الشمس للعذر بمرض أو كبر ويشق عليه مزاحمة الناس لأجله، وأما القادر الصحيح فلا يجوز له ذلك (زاد المعاد 2/ 251) والذي يظهر لي هو جواز رمي جمرة العقبة بعد منتصف الليل للمعذورين وغيرهم لوجود المشقة جمعاً بين الأدلة، لكن الأفضل لغير المعذورين وهم الأقوياء الرمي بعد طلوع الشمس لفعله صلى الله عليه وسلم وخروجاً من خلاف أهل العلم، وإلى هذا الترجيح ذهب كثير من أهل العلم منهم الشيخان سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز وفضيلة الشيخ ابن عثيمين -رحمهما الله- ولا شك أن القول بجواز الرمي قبل الفجر هو الموافق لسماحة الشريعة ويسرها، كما أنه موافق للقواعد الأصولية وذلك لما يلي:

1 - الجمع بين النصوص، وذلك بحمل الأدلة التي يظهر منها عدم الجواز كحديث ابن عباس على خلاف الأولى، وحمل الأدلة المعارضة على الجواز كقصة أسماء وأم سلمة أو على المعذورين ومرافقيهم، ومعلوم أن الجمع بين الأدلة أولى من الترجيح، وهي قاعدة معروفة عند أهل العلم؛ لأن في ذلك أخذاً بالأدلة كلها وهو أولى من ترك بعض الأدلة.

2 - لا ريب أن الرمي قبل الفجر فيه توسعة على المسلمين، وهو أمر مطلوب في الشريعة.

3 - جلالة القائلين بجواز الرمي قبل الفجر وكثرتهم ومكانتهم العلمية أمر لا ينكر، ولا ريب في حرص هؤلاء على العمل بالشريعة وتطبيقها والله أعلم وأحكم.

المطلب الثاني: آخر وقت الرمي يوم العيد:

لا خلاف بين أهل العلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى جمرة العقبة يوم العيد بعد طلوع الشمس، وقد جاء في حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم رماها ضحى ذلك اليوم، ومعلوم أن من رماها قبل الزوال فقد أصاب السنة وهو أفضل لموافقته فعله صلى الله عليه وسلم، وقد نقل الإجماع على ما قلنا غير واحد من أهل العلم.

قال ابن رشد الحفيد (أجمع المسلمون على أن من رمى جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها فقد رماها في وقتها) بداية المجتهد (1/ 378).

وقال ابن عبد البر (أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها، وإن لم يكن مستحباً) واختلف الفقهاء بعد اتفاقهم على ما ذكر في آخر وقت الرمي في هذا اليوم وبيان مذاهبهم على النحو الآتي:

القول الأول: آخر وقت الرمي في هذا اليوم طلوع الفجر من الليلة التالية له، أداءً لا قضاء وبه قال الحنفية إلا أبا يوسف وهو أحد الوجهين عند الشافعية، صححه غير واحد من فقهائهم واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:

1 - إن الليل يتبع اليوم السابق في الرمي كليلة النحر تجعل تبعاً ليوم عرفة في حكم الوقوف.

2 - لا شك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخَّص للرعاة أن يرموا ليلاً كما سيأتي.

القول الثاني: آخر وقت الرمي من هذا اليوم غروب الشمس أداء لا قضاء، وبه قال المالكية وأحد الوجهين عند الشافعية، واستحب الإمام مالك لمن رمى بعد الزوال أن يريق دماً (بداية المجتهد 1/ 378) واستدل أصحاب هذا القول بما يلي:

1 - ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم "إن أول نسكنا في هذا اليوم الرمي" نصب الراية (3/ 79) وقال النووي عنه –إسناده غريب- وهو نص ظاهر في أن اليوم كله وقت للرمي واليوم ينتهي بغروب الشمس.

2 - روى ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فقال رجل رميت بعدما أمسيت فقال عليه الصلاة والسلام "لا حرج" (الصحيح مع الفتح 3/ 559) وهذا الحديث دليل صريح على جواز الرمي في المساء، وأقل أحوال المساء بعد الزوال.

3 - القياس على رمي أيام التشريق، فإن الرمي فيها من الزوال إلى غروب الشمس فكذا يوم العيد، لأن هذا اليوم إنما يفارق سائر الأيام في ابتداء الرمي لا في انتهائه، فيكون مثل سائر الأيام في الانتهاء، فيكون آخر وقت الرمي كسائر أيام الرمي.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015