أحدهما: أنه صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع «خذوا عني مناسككم» وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالاً لأمره في قوله «خذوا عني مناسككم».

والدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [الحج: 29] وقد تقرر في الأصول أن فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع، لأن قطع النَّبي صلى الله عليه وسلم للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى {فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.

قال صاحب الضياء اللامع في شرح قول صاحب جمع الجوامع: ووقوعه بياناً ما نصه: الثاني: أن يكون فعله صلى الله عليه وسلم لبيان مجمل، إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] وإما بقول كقوله «صلوا كما رأيتموني أصلي» فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله وأخبر بقوله: أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله «خذوا عني مناسككم» وحكم هذا القسم وجوب الاتباع انتهى. محل الغرض منه.

وأشار في مراقي السعود: إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم الواقع لبيان مجمل من كتاب الله إن كان المبين بصيغة اسم المفعول واجباً فالفعل المبين له بصيغة اسم الفاعل واجب بقوله:

من غير تخصيص وبالنص يرى ... وبالبيان وامتثالٍ ظهرا

ومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان يعني: أنه يعرف حكم فعل النَّبي صلى الله عليه وسلم من الوجوب أو غيره بالبيان، فإذا بين أمراً واجباً: كالصلاة والحج، وقطع السارق بالفعل، فهذا الفعل واجب إجماعاً لوقوعه بياناً لواجب، إلا ما أخرجه دليل خاص، وبهذا تعلم أن الله تعالى أوجب طواف الركن بقوله {وَلْيَطَّوَّفُواْ بالبيت العتيق} [الحج: 29] وقد بينه صلى الله عليه وسلم بفعله وقال «خذوا عني مناسككم» ومن فعله الذي بينه به: الوضوء له كما ثبت في الصحيحين، فعلينا أن نأخذه عنه إلا بدليل، ولم يرد دليل يخالف ما ذكرنا.

ومن أدلتهم على اشتراط الطهارة من الحدث للطواف: ما أخرجاه في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها، قال البخاري رحمه الله في كتاب الحيض: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، لا نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت الحديث. وفيه «فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» انتهى منه.

وأخرج مسلم في صحيحه حديث عائشة هذا بإسنادين عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه عنهما بلفظ «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» وفي لفظ لمسلم عنها «فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تغتسلي» قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه صرح فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم بنهي عائشة رضي الله عنها عن الطواف إلى غاية هي الطهارة لقوله «حتى تطهري» عند الشيخين و «حتى تغتسلي» عند مسلم ومنع الطواف في حالة الحدث، الذي هو الحيض إلى غاية الطهارة من جنابته: يدل مسلك الإيماء والتنبيه على أن علة منعها من الطواف، هو الحدث الذي هو الحيض، فيفهم منه اشتراط الطهارة من الجنابة، للطواف كما ترى.

فإِن قيل: يجوز أن تكون علة النهي عن طوافها، وهي حائض، أن الحائض لا تدخل المسجد.

فالجواب: أن نص الحديث يأبى هذا التعليل، لأنه صلى الله عليه وسلم قال «حتى تطهري حتى تغتسلي» ولو كان المراد ما ذكر لقال: حتى ينقطع عنك الدم.

قال النووي في شرح المهذب: فإن قيل: إنما نهاها، لأن الحائض لا تدخل المسجد.

قلنا: هذا فاسد لأنه صلى الله عليه وسلم قال «حتى تغتسلي» ولم يقل حتى ينقطع دمك، وهو ظاهر.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015