ومن أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة في الطواف: ما جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «الطواف بالبيت صلاة» الحديث. قال الزيلعي في نصب الراية: رواه ابن حبان في صحيحه في النوع السادس والستين من القسم الثالث من حديث فضيل بن عياض، والحاكم في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عباس. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله قد أحل فيه النطق فمن نطق فيه لا ينطق إلا بخير» انتهى. وسكت الحاكم عنه وأخرجه الترمذي في كتابه عن جرير، عن عطاء بن السائب به بلفظ «الطواف بالبيت مثل الصلاة» قال: وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاوس موقوفاً ولا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث عطاء بن السائب. وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة بسنده ثم قال: وهذا حديث قد رفعه عطاء بن السائب في رواية جماعة عنه وروي عنه موقوفاً، وهو أصح انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين في الإمام: هذا الحديث روي مرفوعاً، وموقوفاً أما المرفوع فله ثلاثة أوجه:
أحدها: رواية عطاء بن السائب رواها عنه جرير، وفضيل بن عياض، وموسى بن أعين، وسفيان أخرجها كلها البيهقي.
الوجه الثاني: رواية ليث بن أبي سليم رواها عنه موسى بن أعين، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعاً باللفظ المذكور، أخرجها البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه.
الوجه الثالث: رواية الباغندي، عن أبيه، عن ابن عيينة، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعاً نحوه رواه البيهقي أيضاً. فأما طريق عطاء فإن عطاء من الثقات، لكنه اختلط بأخرة قال ابن معين: من سمع منه قديماً فهو صحيح ومن سمع منه حديثاً، فليس بشيء، وجميع من روى عنه روى عنه في الاختلاط إلا شعبة. وسفيان، وما سمع منه جرير وغيره، فليس من صحيح حديثه. وأما طريق ليث، فليث رجل صالح صدوق يستضعف. قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد يقال: لعل اجتماعه مع عطاء يقوي رفع الحديث، وأما طريق الباغندي، فإن البيهقي لما ذكرها قال ولم يضع الباغندي شيئاً في رفعه لهذه الرواية. فقد رواه ابن جريج، وأبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفاً انتهى من نصب الراية للزيلعي. ثم قال أيضاً: حديث آخر رواه الطبراني في معجمع الأوسط: حدثنا محمد بن أبان، ثنا أحمد بن ثابت الجحدري، ثنا أبو حذيفة موسى بن مسعود، ثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس: عن ابن عمر لا نعلمه إلا عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام» انتهى منه.
واعلم: أن علماء الحديث قالوا: إن وقف هذا الحديث على ابن عباس أصح من رفعه.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وقد علمت مما مر قريباً أن حديث ابن عباس المذكور رفعه عطاء بن السائب، وليث بن أبي سليم، والظاهر أن اجتماعهما معاً لا يقل عن درجة الحسن، ومما يؤيد ذلك أن ممن روى رفعه عن عطاء سفيان الثوري، وقد ذكروا أن رواية سفيان عنه صحيحة، لأنه روى عنه قبل اختلاطه، وعلى ذلك فهو دليل على اشتراط الطهارة، وستر العورة، لأن قوله «الطواف صلاة» يدل على أنه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة، إلا ما أخرجه دليل خاص كالمشي فيه، والانحراف عن القبلة، والكلام، ونحو ذلك.
فإن قيل: المحققون من علماء الحديث، يرون أن الصحيح أن حديث الطواف صلاة موقوف لا مرفوع، لأن من وقفوه أضبط، وأوثق ممن رفعه؟
فالجواب: أنا لو سلمنا أنه موقوف، فهو قول صحابي اشتهر ولم يعلم له مخالف من الصحابة، فيكون حجة، لا سيما وقد اعتضد بما ذكرنا قبله من الأحاديث الصحيحة، وبينا وجه دلالتها على اشتراط الطهارة للطواف.
وقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث «الطواف صلاة» ما نصه: وقد سبق أن الصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وتحصل منه الدلالة أيضاً، لأنه قول صحابي اشتهر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان حجة كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح، وقول الصحابي حجة أيضاً، عند أبي حنيفة انتهى منه.
فهذا الذي ذكرنا هو حاصل أدلة من قال: باشتراط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف) ج3 تفسير سورة الحج.