قال الشيخ الشنقيطي (4): ((اعلم أولًا أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا يكاد ينكره إلا مكابر، وهو نوع من القياس الجلي، ويسميه الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ القياسَ في معنى الأصل، وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به؛ لعدم الفرق بينهما؛ أعني: الفرق المؤثر في الحكم.

ومن أمثلة هذا النوع: قوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}: فإنه لا يشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه.

وقوله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}: فإنه لا شك أيضا في أن التصريح بالمؤاخذة بمثال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإناثة بمثقال الجبل المسكوت عنه.

وقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَى عَدْلٍ}: لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتًا عنها.

ونهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء مع أن ذلك مسكوت عنه))،،، ا هـ.

والإلحاق بنفي الفارق لا يُحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع؛ والذي هو العلة؛ بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق، يؤثر في الحكم ألبتة؛ فهو مثله في الحكم (5).

حقيقة إلغاء الفارق:

قد يُعَدُّ إلغاء الفارق مَسْلَكًا مستقِلًا من مسالك العلة (6)؛ ذهب إلى ذلك الإمام الرازيُّ وتاجُ الدين السُّبْكِيُّ والزَّرْكَشِيُّ؛ على اعتبار أنه مسلك سَلْبِيٌّ عَدَمِيٌّ، والتحقيق أنه نوع من تنقيح المناط (7)؛ ذهب إلى ذلك البَيْضَاوِيُّ؛ الذي يرى أن تنقيح المناط عبارة عن إلغاء الفارق:

قال الإسنوي: ((تنقيح مناط العلة: هو أن يبين المستدلُّ إلغاء الفارق بين الأصل والفرع، وحينئذ فيلزم اشتراكهما في الحكم)) (8).

وقال الآمِدِيُّ: ((وأما تنقيح المناط فهو النظر والاجتهاد في تعيِين ما دل النص على كونه علَّةً من غير تعيينٍ؛ بحذف ما لا مدخلَ له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف، كل واحد بطريقة)) (9).

والخلاصة في ذلك أن للعلماء مسلكين في تَكْيِيفِ تنقيح المناط:

المسلك الأول: ما ذهب إليه الإمام البَيْضَاوِيُّ ومَن وافقه؛ الذين عرفوه بما يشمل إلغاء الفارق من الأصل وحذف ما لا دخل له في العِلِّيَّة.

المسلك الثاني: ما ذهب إليه تاجُ الدين السُّبْكِيُّ وغيرُهُ؛ حيث اعتمد تنقيحُ المناط عندهم على أمرين:

أوَّلهما: أن يكون النصُّ دالًا على عِلِّيَّةِ وصف خاصٍّ بالأصل، ويكون دَوْرُ المجتهد حذفَ خصوصِ الأصل؛ وحينئذ يشترك الأصل والفرع في الحكم معا.

وثانِيهِما: أن يدلَّ النصُّ على عِلِّيَّةِ أوصافٍ، ويقومَ المجتهدُ بحذف ما لا دَخْلَ له في العِلِّيَّةِ، ليصبحَ الباقي علةً للحكم.

طرق إلغاء الفارق بين الأصل والفرع: الطرق التي يتم بها إلغاء الفارق ثلاثة:

الطريق الأول: أن يُبيِّنَ المستدِلُّ باللفظ أو بالقرينة أنه لا فارق بين الأصل والفرع؛ وحينئذ يلزم اشتراكهما في الحكم.

ومثاله: مَنْعُ الشافعيِّ المَذْهَبِ ـ في خلافه مع الحنفيِّ ـ: التفريقَ بين القتل بالمحدِّدِ والمثقِّلِ إلا كونه محدِّدًا، والمقصِد الشرعيُّ منَ القصاص حفظ النفوس، فإنه لا فرق في ذلك بين أن يكون القتل بمُثَقِّل أو بمُحَدِّدٍ؛ وعليه: فكون آلة القتل محدِّدًا لا مدخل له في العِلِّيَّة؛ بل القتل مطلقا هو علة القصاص، وما دام هذا السبب قد وجد في المُثَقِّلِ فإن فيه القصاصَ.

الطريق الثاني: أن يقال: إن هذا الحكم لا بد له من مؤثِّرٍ، وهذا المؤَثِّر إما أن يكون القدرَ المشتركَ بين الأصل والفرع، أو القدرَ الذي امتاز به الأصل، والثاني باطل، فتعين الأول.

وتطبيقه على المثال السابق أن يقال: إن عِلَّةَ الحكم هي القدرُ المشتركُ بين الأصل والفرع؛ وهو القتل العَمْدُ، أو تكون عِلَّةُ الحكم فيه القدرَ الذي تميز به الأصل عن الفرع، وهو باطل؛ إذ مقصود الشارع منَ القصاص حفظ الأنفس، وهو مما يستوي فيه القتلانِ بالمحدِّد وبالمثقِّل، وعندئذ يلزم ثبوت الحكم في الفرع، فيقتص في حالة القتل بالمثقل.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015