الطريق الثالث: أن يقول المستدلُّ: إن هذا الحكمَ لا بد له من مَحَلٍّ؛ وهو إما المشترك بين الأصل والفرع، أو المُمَيِّزُ، والثاني باطل لكذا، فتعيَّنَ الأوَّلُ.
مثال ذلك أن يقال: ما امتاز به الإفطار بالأكل عن الإفطار بالجماع مُلْغًى، فمَحَلُّ الحكم هو المُفْطِرُ مطلقا، ومتى ما حصل الفِطْرُ حصل الحكم مطلقا (10).
أنواع إلغاء الفارق:
أفاض الشيخ الشنقيطي رحمه الله في بيان أنواع الإلحاق بإلغاء الفارق؛ فقال:
((الإلحاق بإلغاء الفارق أقسامه أربعة؛ لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويًا للمنطوق به في الحكم، أو أَوْلَى به منه، وفي كل منهما: إما أن يكون نفيُ الفارق بينهما مقطوعًا به، أو مظنونًا؛ فالمجموع أربعة:
الأول منها: أن يكون المسكوت عنه أَوْلَى بالحكم من المنطوق به، مع القطْعِ بنفي الفارق:
كقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَهُمَآ أُفٍّ}؛ فالضربُ المسكوتُ عنه أولى بالحكم؛ الذي هو التحريم، من التأفيف المنطوق به، مع القطع بنفي الفارق.
وكقوله تعالى: {وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِنكُمْ}: فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم؛ وهو القبول، من المنطوق به؛ وهو شهادة العدلين، مع القطع بنفي الفارق.
والثاني منها: أن يكون المسكوتُ عنه أَوْلَى بالحكم من المنطوقِ به أيضًا، إلا أنَّ نفْيَ الفارق بينهما ليس قطعيًا؛ بل مظنونًا ظنًا قويًا مزاحِمًا لليقين:
ومثاله: نهيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن التضحية بالعوراء، فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم؛ وهو المنعُ من التضحية بالعوراء المنطوقِ بها، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيًا؛ بل منظونًا ظنًّا قويًّا، لأن عِلَّةَ النهي عنِ التضحية بالعوراء كونُها ناقصة ذاتًا وثمنًا وقيمةً، وهذا هو الظاهر:
وعليه: فالعمياء أنقص منها ذاتًا وقيمة.
وهناك احتمال آخر هو الذي مَنَعَ من القطع بنفي الفارق؛ وهو احتمال أن تكون عِلَّةُ النهي عنِ التضحية بالعوراء ـ: أن العَوَرَ مَظِنَّةُ الهُزَالِ؛ لأن العوراءَ ناقصةُ البصرِ، وناقصةُ البصر تكون ناقصةَ الرَّعْيِ؛ لأنها لا ترى إلا ما يقابِل عَيْنًا واحدةً، ونقْصُ الرَّعْيِ مَظِنَّةٌ للهُزَالِ، وعلى هذا الوجه فالعمياءُ ليست كالعَوْرَاءِ؛ لأن العَمْياء يُختار لها أحسنُ العَلَفِ؛ فيكون ذلك مَظِنَّةً لِسِمَنِهَا.
والثالث منها: أن يكون المسكوتُ عنه مساويًا للمنطوقِ به في الحكم، مع القطع بنفي الفارق:
كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا}: فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساوٍ للأكل المنطوق به في الحكم؛ الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار، مع القطع بنفي الفارق.
والرابع منها: أن يكون المسكوت عنه مساويًا المنطوق به في الحكم أيضًا، إلا أن نفي الفارق بينهما مظنونٌ ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين.
ومثاله: الحديث الصحيح: ((مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ))،،، الحديثَ؛ فإنَّ المسكوتَ عنه؛ وهو عِتْقُ بعضِ الأَمَةِ مُسَاوٍ للمنطوق به؛ وهو عِتْقُ بعضِ العبد في الحكم الذي هو سِرَايَةُ العِتْقِ المبيَّنَة في الحديث المتقدِّم، إلا أن نفي الفارق بينهما مظنونٌ ظنًّا قويًّا؛ لأن الذكورةَ والأُنُوثَةَ بالنسبة إلى العِتْق وصفانِ طَرْدِيَّانِ لا يُناط بهما حكمٌ من أحكام العتق.
وهناك احتمال آخر: هو الذي مَنَعَ منَ القطْعِ بنفي الفارق؛ وهو احتمال أن يكون الشارع نَصَّ على سِرَايَةِ العِتْقِ في خُصوص العبد الذَّكَرِ مخصِّصًا له بذلك الحكمِ دونَ الأُنْثَى؛ لأن عِتْقَ الذَّكَرِ يَترتَّبُ عليه منَ الآثارِ الشرعيةِ ما لا يَترتَّبُ على عِتق الأُنثى؛ كالجهاد، والإمامة والقضاء،،، ونحوِ ذلك منَ المناصب المختصَّةِ بالذُّكورِ دون الإِناث (11).
الهوامش:
(1) هذا التعريف للقياس هو تعريف القاضي الباقلاني؛ كما في: التلخيص للجويني: 3/ 145 فقرة: 1564 والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج: 3/ 119، وهو ما اعتمده جمهور الأصوليين؛ كالغزالي في المستصفى: 280، والمنخول: 324، ووصفه الرازي في المحصول: 5/ 9؛ بأنه أسَدُّ ما قيل في هذا الباب، واختاره جمهور المحققين منا، وانظر: أبكار الأفكار للآمدي: 1/ 210، وانتقد ابن حزم هذا التعريف حتى وصف صاحبه بأنه لا يدري ما القياس ولا الفقه. انظر: الأحكام في أصول الأحكام: 7/ 368.
(2) ابن تيمية: الرد على المنطقيين: 256 (ط مؤسسة الريان 2005)، مجموع الفتاوى: 9/ 118.
(3) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين الآمدي: 4/ 7.
(4) أضواء البيان: 3/ 147.
(5) انظر: أضواء البيان: 4/ 175.
(6) انظر: أضواء البيان للشنقيطي: 4/ 181.
(7) انظر: الذخيرة للقرافي: 1/ 129، الإبهاج للسبكي: 3/ 80، التقرير والتحبير: 3/ 163.
(8) نهاية السول في شرح منهاج الأصول: 3/ 74، البحر المحيط: 4/ 227، نهاية الوصول: 2/ 191، شرح تنقيح الفصول: 398، نشر البنود: 2/ 205.
(9) الإحكام للآمدي: 3/ 336، وانظر أيضا: شرح جمع الجوامع للمحلي (مع حاشية العطار): 2/ 337، الآيات البينات لابن قاسم العبادي: 4/ 115.
(10) ضعف الرازي هذا الطريق في المحصول: 5/ 318: بأنه: ((لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كل مفطر فإنه إذا صدق أن هذا الرجل طويل صدق أن الرجل طويل لأن الرجل جزء من هذا الرجل ومتى حصل المركب حصل المفرد ثم لم يلزم من صدق قولنا الرجل طويل قولنا كل رجل طويل فكذا هاهنا)).
(11) انظر: أضواء البيان: 4/ 175 - 177.
¥