ـ[مصطفى حسنين]ــــــــ[27 - Nov-2007, مساء 07:32]ـ
الإِلْحَاقُ بِنَفْيِ الفَارِقِ حَقِيقَتُهُ وَمُقَوِّمَاتُهُ
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى اله عليه وعلى آله وصحبه وسلم:
أما بعد:
فإن الله عز وجل أرسل رسوله محمَّدًا - صلى الله عليه وسلم - بالهُدَى ودين الحقِّ؛ ليُظْهِرَهُ على الدين كُلِّهِ، وجعل رسالته الرسالةَ الخاتِمَةَ؛ فلا رسول بعده، وقد كان من دواعي ذلك أن جُعِلَتْ رسالتُهُ عامَّةً في الزمان والمكان والأحوال والأشخاص:
- فرسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عامَّة في الزمان، ناسخةٌ لما كان قبلها من الشرائع، وكتابه مهيمنٌ على الكُتُب من قبلِهِ، وشريعتُهُ ممتدةٌ، وتكاليفها تشمل المكلفين إلى قيام الساعة.
- وهي عامَّة في المكان؛ فلا يخرج عن تكاليفها قاصٍ، ولا يَنِدُّ عنِ المطالبة بها شاطٌّ ما بلغه العلمُ بهذه الشريعة.
- وهي كذلك عامَّة في الأحوال: فتشريعاتها لا يخرج عنها المكلَّفُ في حالٍ من الأحوال، إذ إنَّ أحكامها تستوعب أحوال المكلَّف جميعا؛ فلا تجد حالا من أحوال المكلف في حركاته وسكناته إلا داخلا تحت حكمٍ من الأحكام الشرعية الخمسة (الوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم).
- وهي كذلك عامَّة في الأشخاص: بل خطابها متوجِّهٌ إلى الثقَلَيْنِ الإنسِ والجنِّ، ما دامت شرائطُ التكليف فيهم متوفرة؛ من العقل والعلم والإرادة، وما تحققت فيهم مقوماتُ الأهليَّة.
وقد كان من مقتضيات عموم الرسالة المحمدية أن تتنوع أدلة الأحكام فيها؛ ما بين نص وإحالة، وبين تفصيل وتأصيل؛ وذلك لتناهي نصوصها، وعدم تناهي النوازل والمستجِدات التي تعرِض للمكلفين.
فإن آيات القرآن الكريم في العدِّ الكوفيِّ ستة آلاف ومائتان وأربعَ عشْرَةَ آيةً، وفي العدِّ المدني ستة آلاف ومائتان وأربعٌ وثلاثون آيةً، وآيات الأحكام منها خمسُمِائة آيةٍ، والأحاديث النبويَّةُ التي وصلتنا لا تتجاوز متونها في الجملة مائةَ ألف حديث، وأحاديث الأحكام منها لا تتجاوز أحدَ عَشَرَ ألفَ حديثٍ، ومواقع الإجماع محصورةٌ وقليلة، ومع ذلك فالنوازل والوقائع لا حصر لها؛ فكل يوم يتجدد منها الكثير؛ لا سيما مع اتساع البقاع، وتنوع الأجناس، وتفاوت العقول، واختلاف العادات والتقاليد، ولله تعالى في كل نازلة حكم، ولا تخلو واقعة من تشريع.
فكان من نتيجة ذلك كله: أن تنوعت أدلة الأحكام في التشريع الإسلامي؛ فكان منها الدليلُ النقليُّ والدليلُ العقليُّ، وكان منها الدليلُ التفصيليُّ؛ الذي يُفيد الحكمَ بنصِّ الشارع، ومنها الدليلُ التأصيليُّ؛ الذي يُستفاد الحكم منه بالاستنباط؛ بتخريجِ الفروع على الأصول.
وقد كان من أهمِّ الأدلة العقلية التي اعتمدها التشريع الإسلامي القياسُ الأصوليُّ.
ويراد بالقياس الأصوليِّ قياس التمثيل الذي هو:: ((حمل أحد المعلومين على الآخَرِ في إيجاب بعض الأحكام لهما، أو في إسقاطه عنهما، بأمر جَمَعَ بينهما في إثبات صفة وحكمٍ لهما، أو نفي ذلك عنهما)) (1).
ولا بد للقياس من أركان أربعة؛ هي: الأصل والفرع والحكم والعلة الجامعة.
وتتنوع هذه العلة الجامعة فتعتمد أحيانا على اجتماع الوصف المؤثر في الحكم في كلٍّ منَ الأصل والفرع، كما تكون بنفي الفارق بين الأصل والفرع، فالقياس لا يخلو إما أن يكون بإبداء الجامع، أو بإلغاء الفارق (2).
ويتنوع القياس من حيث مصدر تحصيل علته إلى:
• قياس علة.
• وقياس دلالة.
• وقياس في معنى الأصل.
وذلك لأنه لا يخلو إما أن يكون الوصف الجامع بين الأصل والفرع قد صُرِّحَ به، أو لم يُصرَّح به، فإن صُرِّح به، فلا يخلو إما أن يكون هو العلةَ الباعثةَ على الحكم في الأصل، أو لا يكون هو العلةَ؛ بل هو دليل عليها:
فإن كان الأول: سُمِّيَ قياسَ العلة؛ للتصريح فيه بالعلة.
وإن كان الثاني: سُمِّيَ قياسَ الدَّلاَلَةِ.
وأما إن كان الوصف الجامع لم يصرح به في القياس إلا بواسطة نفي الفارق بينهما ـ: فيسمى القياسَ في معنى الأصل (3).
¥