المسألة الثانية: وجه الدِّلالة: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: (فقول ابن عباس: جمع من غير كذا ولا كذا، ليس نفياً منه للجمع بتلك الأسباب، بل إثباتٌ منه، لأنه جمع بدونها، وإن كان قد جمع بها أيضاً، ولو لم يُنقل أنه جمع بها فجمعُه بما هو دُونَها دليلٌ على الجمع بها بطريق الأولى، فيدل على الجمع للخوف والمطر، وقد جمع بعرفة ومزدَلِفة من غير خوف ولا مطر). وقال: (وبهذا استدل أحمد به على الجمع لهذه الأمور بطريق الأولى، فإن هذا الكلام يدل على أن الجمع لهذه الأمور أولى، وهذا من باب التنبيه بالفعل، فإنه إذا جَمَع ليرفع الحرجَ الحاصلَ بدون الخوف والمطر والسفر، فالحرجُ الحاصلُ بهذه أولى أن يُرفع، والجمع لها أولى من الجمع لغيرها).

وقال ابن حجر في فتح الباري، والنووي في شرح مسلم: (وذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، وهو قول ابن سيرين وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر).

وقال شيخ الإسلام ابن تيميّة مُعلقاً على حديثِ عبدِاللهِ بن شقيق عن ابن عباس: (فهذا ابن عباس لم يكن في سفر ولا في مطر، وقد استدل بما رواه على فعله، فعُلم أن الجمع الذي رواه لم يكن في مطر، ولكن؛ كان ابن عباس في أمر مهم من أمور المسلمين؛ يخطبُهم فيما يحتاجون إلى معرفته، ورأى: أنه إنْ قطعه ونَزل فاتت مصلحتُه، فكان ذلك عِندَه من الحاجات التي يجوز فيها الجمع، فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يجمع بالمدينه لغير خوف ولا مطر، بل للحاجة تَعرِضُ له؛ كما قال: (أراد أن لا يُحرج أُمّته). إلخ. وقال أيضا –رحمه الله-: (وإنما شُرع الجمعُ لئلا يُحْرَجَ المسلمون).

المسألة الثالثة: اختلاف الفقهاء: قال الخطابي في (معالم السنن): (وقد اختلف الناس في جواز الجمع بين الصلاتين للمطر في الحضر، فأجازه جماعة من السلف, رُوي ذلك عن ابن عمر، وفعَلَه عُروة وابن المسيِّب، وعمر بن عبد العزيز، وأبو بكر بن عبدالرحمن، وأبو سلمة، وعامة فقهاء المدينة, وهو قول مالكٍ والشافعيِّ وأحمد).

وقال ابن كثير في (المسائل الفقهية) مبيناً:

(وقال الشافعي بجواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بعذر المطر في الجماعة لحديث ابن عباس.

وقال مالك وأحمد: يجوز ذلك في المغرب والعشاء، ولا يجوز في الظهر والعصر.

وأبو حنيفة أشد منعاً لهذا وهذا مطلقاً).

المسألة الرابعة: الجمع بين الظهر والعصر:

فإن بعض أهل العلم يُرون الجمع بين المغرب والعشاء، ويمنعونه بين الظهر والعصر! مع أن حديثَ ابن عباسٍ الذي استدلوا به أصلا على مشروعية الجمع بين المغرب والعشاء، وهو نفسُه الذي فيه –أيضاً- دليلُ مشروعيةِ الجمعِ بين الظهر والعصر على حد سواء!

المسألة الخامسة: صفة الجمع: اختلف أهل العلم في صفة الجمع، فمنهم من حمله على الجمع الحقيقي، بتقديم إحدى الصلاتين إلى وقت الأُخرى، أو تأخيرها، ومنهم من حمله على الجمع الصوري بتأخير الصلاة الأولى إلى آخر وقتها مع تعجيل الصلاة الثانية في أول وقتها.

وينبغي قبل الوقوف على الصواب في ذلك التأكيد على نقطتين في هذه المسألة:

الأولى: أن الجمعَ رخصة، والرخصة عند الأصوليين هي: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.

الثانية: أنّ هذه الرخصة منوطة بدفع الحرج والمشقة.

وعليه فأقول:

قال الحافظ العراقي: (إن الجمع رخصة، فلو كان ما ذكروه [من الجمع الصوري] لكان أشدَّ ضِيْقاً وأعظمَ حرجاً من الإتيان بكل صلاة في وقتها). ووصف النوويُّ الجمع الصوري في (شرح مسلم) بأنه: (احتمال ضعيف أو باطل، لأنه مُخِالف للظاهر مخالفةً لا تُحتمل).

المسألة السادسة: النية في الجمع: لا تُشترط النية في الصلاة الأولى لأنها على حالها وفي وقتها، ولم يطرأ عليها شيء، إنما الصلاة الثانية هي التي ستقدّم إلى وقت الأولى، فيشترط إيقاع النية عندها. هذا في جمع التقديم، وعند جمع التأخير يكون العكس. قال شيخ الإسلام: (ولم يَنْقل قطٌ أحدٌ عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه أمر أصحابه لا بنية القصر ولا نيةِ جمع، ولا كان خلفاؤه وأصحابه يأمرون بذلك مَن يصلي خلفهم، مع أن المأمومين أو أكثرهم لا يعرفون ما يفعله الإمام).

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015