فعلم من هذه النقول أن مذاهب الأئمة الأربعة متفقة على ما قاله الأصوليون من كون المفتي هو المجتهد، وأن خلاف الحنفية في القضاء دون الإفتاء، وفيه عندهم قولان، اعتمد صاحب الهداية على وجوب كون القاضي مجتهدًا وفاقًا لنص الإمام محمد، واختار آخرون جواز كونه غير مجتهد اعتمادًا على وجود مفتٍ يفتيه، فكأنه في نظر هؤلاء منفّذ فقط.

ثم قال الكمال: (وفي حديث الاجتهاد كلام عرف في أصول الفقه وحاصله أن يكون صاحب حديث له معرفة بالفقه ليعرف معاني الآثار أو صاحب فقه له معرفة بالحديث، لئلا يشتغل بالقياس في المنصوص عليه.

وقيل: أن يكون مع ذلك صاحب قريحة يعرف بها عادات الناس؛ لأن من الأحكام ما يبنى عليها).

ا هـ بحروفه.

وقال المرغيناني عند قوله: وقيل: إن يكون مع ذلك صاحب قريحة ...

إلخ ما نصه: (فهذا القيل لا بد منه في المجتهد، فمن أتقن معنى هذه الجمل فهو أهل للاجتهاد؛ فيجب عليه أن يعمل باجتهاده وهو أن يبذل جهده في طلب الظن بحكم شرعي عن هذه الأدلة ولا يقلد أحدًا) ا.

هـ؛ أي: ويجب عليه أن يفتي كذلك بما ظهر له، ولا يجوز له أن يفتي بقول أحد؛ بل علمت من نصهم أن نقل قول الغير لا يسمى فتوى.

هذا ما فسر به المفتي والمجتهد في كتب الشريعة وابتدأنا بالنقل عن كتب الحنفية خاصة؛ لأن الحكومة المصرية على مذهبهم، ومنها علم أن المذاهب الثلاثة موافقة لمذهب الحنفية في اعتبار كون المفتي هو المجتهد، ولكن الجَهِلَ الظاهرَ قام يحتج على العلم، فيحرم الاجتهاد على المفتي، ولو في بعض المسائل ويضع للمجتهد تعريفًا جديدًا وشروطًا جديدة؛ لأن حرية المطبوعات في مصر أباحت لكل أحد أن يخوض في كل شيء، فقد رأينا تقريرًا لبعض الجاهلين بالشرع يحتج فيه بزعمه على بعض ما أفتى به أشهر علماء الإسلام في هذا العصر وينفي عنه الاجتهاد في الدين بناءً على تعريف اخترعه للمجتهد لم يقل به قبله عالم ولا جاهل وهو كما في (37) من ذلك التقرير: (المجتهد هو الرجل الوجيه عند الله وعند الأمة البالغ مبلغ العلم ومعرفة مدارك التشريع وأسرار الشريعة بشرط أن يعترف له الناس بذلك)، ثم قال بعد سطور في الاستدلال على كون الاجتهاد يكاد يكون ممنوعًا عقلاً: إن الثقة العامة ركن من أركان الاجتهاد (فإذا ادعى مُدَّعٍ أنه من المجتهدين واختلف الناس في أمره سقطت دعواه).

نقول: إن هذا الكلام لغو باطل؛ لأنه اختراع أصول جديدة للشرع لم يقل بها أحد من أهله، على أنه غير معقول وغير مفهوم.

دع عنك تخصيص الاجتهاد بالرجال المقتضي أن أمهات المؤمنين - نسوة صاحب الشريعة عليه وعليهن السلام - كن مقلدات غير مجتهدات في دينهن، وانظر في اشتراطه كون المجتهد وجيهًا عند الله مع اشتراطه بعد ذلك أن تعترف له الأمة بذلك! ومن يقدر من الأمة أن يحكم على الله بما لا يعرف إلا بوحي من الله؟ فهذا من غير المعقول، ثم انظر في قوله: (البالغ مبلغ العلم) تجده من غير المفهوم، ثم انظر في اشتراط اعتراف الأمة - مقلديها وجهلائها - لرجل بأنه وجيه عند الله وأنه بلغ مبلغ العلم وفهم أسرار الشريعة تجده غير معقول وغير مفهوم؛ لأن الأمة لا يمكن أن تصل إلى معرفة هذه الأمور فتحكم بها وإذا فرضنا وصولها إليها تكون أمة مجتهدة؛ أي: يكون جميع أفرادها مجتهدين وكل واحد منهم عارف بقدر الآخر وشاهد له .. ولم يشهد فرد واحد لمجتهد من السابقين بمثل ذلك.

* * *

بيان ما جاء في كتاب الأحكام السلطانية من القول باجتهاد القاضي (فصل) ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي رحمه الله أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة؛ لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه، فإذا كان شافعيًّا لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به، وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره، فمنع الشافعي أن يحكم بقول أبي حنيفة ومنع الحنفي أن يحكم بمذهب الشافعي إذا أداه اجتهاده إليه لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضايا والأحكام، وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كان أنفى للتهمة وأرضى للخصوم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015