وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه؛ لأن التقليد فيها محظور والاجتهاد فيها مستحق، وإذا نفذ قضاؤه بحكم وتجدد مثله من بعد أعاد الاجتهاد فيه، وقضى بما أدّاه اجتهاده إليه، وإن خالف ما تقدّم من حكمه فإن عمر - رضي الله عنه - قضى في المشتركة بالتشريك في عامٍ، وترك التشريك في غيره، فقيل له: ما هكذا حكمت في العام الماضي؟ فقال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي.

فلو شرط المُولِّي وهو حنفي أو شافعي على من ولاه القضاء أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة - فهذا على ضربين: أحدهما أن يشترط ذلك عمومًا في جميع الأحكام؛ فهذا شرط باطل سواء كان موافقًا لمذهب المُولِّي أو مخالفًا له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطًا فيه وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي، وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي - رحمه الله - على وجه الأمر أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي كانت الولاية صحيحة والشرط فاسدًا سواء تضمّن أمرًا أو نهيًا، ويجوز أن يحكم بما أدّاه اجتهاده إليه سواء وافق شرطه أو خالفه، ويكون اشتراط المولي لذلك قدحًا فيه إن علم أنه اشترط ما لا يجوز، ولا يكون قدحًا إن جهل؛ لكن لا يصح مع الجهل به أن يكون موليًا ولا واليًا.

فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية؛ فقال: قد قلدتك القضاء على أن تحكم فيه بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة كانت الولاية باطلة؛ لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق: تصح الولاية ويبطل الشرط.

والضرب الثاني: أن يكون الشرط خاصًّا في حكم بعينه فلا يخلو الشرط من أن يكون أمرًا أو نهيًا، فإن كان أمرًا فقال له: أقد من العبد بالحر ومن المسلم بالكافر، واقتص في القتل بغير الحديد كان أمره بهذا الشرط فاسدًا ثم إن جعله شرطًا في عقد الولاية فسدت، وإن لم يجعله شرطًا فيها صحت وحكم في ذلك بما يؤديه اجتهاده إليه.

وإن كان نهيًا فهو على ضربين: أحدهما أن ينهاه عن الحكم في قتل المسلم بالكافر والحر بالعبد، ولا يقضي فيه بوجوب قود ولا بإسقاطه فهذا جائز؛ لأنه اقتصر بولايته على ماعداه، فصار ذلك خارجًا عن نظره.

والضرب الثاني أن لا ينهاه عن الحكم وينهاه عن القضاء في القصاص فقد اختلف أصحابنا في هذا النهي هل يوجب صرفه عن النظر فيه؟ على وجهين: أحدهما أن يكون صرفًا عن الحكم فيه وخارجًا عن ولايته، فلا يحكم فيه بإثبات قود ولا بإسقاطه.

والثاني أن لا يقتضي الصرف عنه ويجري عليه حكم الأمر به، ويثبت صحة النظر إن لم يجعله شرطًا في التقليد ويحكم فيه بما يؤديه اجتهاده إليه اهـ.

فعلم من هذا أن القاضي لا يعزل إذا خالف مذهب موليه أو شرطه عليه تقليد إمام معين؛ بل تجب عليه مخالفة مولّيه إذا ظهر له الدليل على أن مخالفته هي الصواب.

والمفتي في ذلك كالقاضي كما تقدّم نقلاً عن شرح الهداية؛ بل القول بوجوب اجتهاد المفتي عند الحنفية أقوى من القول باجتهاد القاضي كما علمت، وبهذه النصوص تعلم أن ما كتب في تلك الجريدة المحدثة من كون المفتي يصير معزولاً إذا أفتى بخلاف مذهب موليه قول باطل، مبني على الجهل الظاهر.

وقد كان وقع مثل هذا الوهم أو قريبًا منه لبعض الأزهريين عندما علم أن قاضي قضاة السودان حكم في بعض القضايا بمذهب الإمام مالك كالطلاق على المعسر والغائب.

فسألنا يومئذ ذلك الأزهري عن ذلك فأجبناه بنحو ما تقدم وزيادة تتعلق بالمولي نسكت على مثلها الآن.

وربما نزيد الكلام في الإفتاء والمفتي بيانًا في جزء آخر.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015