المفتي و القاضي في الشرع.

ـ[وليد الدلبحي]ــــــــ[11 - Nov-2007, مساء 09:52]ـ

المفتي و القاضي في الشرع

محمد رشيد رضا

المفتي في الشرع هو الفقيه المجتهد الذي يرجع إليه الناس في معرفة ما يخفى عليهم من أحكام الدين.

قال في (كشاف اصطلاحات الفنون) ما نصه (ص 1157 ج2): (الفقه هو اسم علم من العلوم المدونة، وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والفقيه هو مَن اتّصف بهذا العلم وهو المجتهد.

قال المحقق التفتازاني في حاشية العضدي: ظاهر كلام القوم أنه لا يتصور فقيه غير مجتهد ولا مجتهد غير فقيه على الإطلاق.

نعم لو اشترط في الفقه التهيؤ لجميع الأحكام، وجوّز في مسألة دون مسألة تحقق مجتهد ليس بفقيه.

وجاء (في ص 1156) منه ما نصه: (الاستفتاء هو عند الأصوليين والفقهاء مقابل الاجتهاد والمستفتي خلاف المفتي.

والمفتي هو الفقيه فإن لم نقل بتجزي الاجتهاد؛ وهو كونه مجتهدًا في بعض المسائل دون بعض فكل من ليس مجتهدًا في الكل فهو مستفتٍ في الكل.

وإن قلنا بتجزي الاجتهاد فالأمر واضح أيضًا؛ فإنه مُستفت فيما ليس مجتهدًا فيه مُفْت فيما هو مجتهد.

وبالجملة فالمفتي والمستفتي إنما يكونان متقابلين ممتنعي الاجتماع عند اتحاد متعلقهما، وأما إذا اعتبر كونه مفتيًا في حكم مستفتيًا في حكم آخر فلا).

ا.

هـ وبيان هذا أن المفتي عندهم هو المجتهد المستعد للإفتاء بالدليل، فإن كان مستعدًا للإفتاء في عامة الأحكام فهو المجتهد المطلق، وإن كان لا يقدر على الإفتاء إلا في بعض الأحكام فهو مجتهد فيما هو مفتٍ به.

وهذا التفصيل مبني على قول المحققين من الأصوليين بأن الاجتهاد يتجزأ؛ أي: يجوز أن يجتهد الإنسان في بعض المسائل فيقف على أدلتها ويعرف الحكم منها وإن عجز عن مثل ذلك في مسائل أخرى.

وما تقدم من معنى الفقه هو اصطلاح علماء الأحكام العملية وأصولها (أي: علم أصول الفقه) وللفقه معنى آخر هو ما يفهم من الكتاب والسنة وآثار السلف وهو فهم أسرار الدين في إصلاح النفوس ومعرفة آفاتها وما يصلح أخلاقها.

ولا مشاحة في الاصطلاح فإن الإمام الغزالي الذي بيَّن هذا المعنى كان يستعمل المعنى الاصطلاحي في كتبه الفقهية والأصولية، ويطلق الفقه عند المتأخرين على معرفة أقوال المؤلفين في الأحكام.

وقد اشترطوا في القاضي أن يكون مجتهدًا؛ لأنه كالمفتي في الحاجة إلى معرفة الحق فيما يحكم به بل هو من جهة أحوج إلى تحري الحق؛ لأنه ملزم والمفتي مبين فقط ولكن الحنفية أجازوا أن يكون القاضي غير مجتهد عند الضرورة اعتمادًا على أنه يستفتي فعلم أن جواز نصب القاضي من غير أهل الاجتهاد مشروط بوجود مفت من أهله يبين له الحكم.

وهذا نص متن الهداية وهو أشهر المتون المعتمدة في مذهب الحنفية قال: (ولا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في المولى شرائط الشهادة ويكون من أهل الاجتهاد)، قال الكمال في (فتح القدير) شرح الهداية: الصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية فأما تقليد الجاهل فصحيح عندنا خلافًا للشافعي رحمه الله، وهو يقول: إن الأمر بالقضاء يستدعي القدرة عليه ولا قدرة دون العلم.

ولنا أنه يمكنه أن يقضي بفتوى غيره ومقصود القضاء يحصل به، وهو إيصال الحق إلى مستحقه.

وقال المرغيناني في تكملته للفتح: (قوله: خلافًا للشافعي و مالك و أحمد وقولهم رواية عن علمائنا: نص محمد في الأصل أن المقلد لا يجوز أن يكون قاضيًا؛ ولكن المختار خلافه) ثم قال: (والمراد بالعلم ليس ما يقطع بصوابه؛ بل ما يظنه المجتهد فإنه لا قطع في مسائل الفقه، وإذا قضى بقول مجتهد فيه فقد قضى بذلك العلم وهو المطلوب).

ثم قال: (واعلم أن ما ذكر في القاضي ذكر في المفتي، فلا يفتي إلا المجتهد وقد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد، وأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفتٍ).

ثم ذكر أن نقل النصوص ليس بفتوى، وإنما هو إخبار على سبيل الحكاية، وأن هذه الحكاية لا تحل إلا إذا كان للحاكي سند إلى المجتهد الذي ينقل عنه يعتقد صحته أو كان يأخذه عن كتاب معروف، تداولته الأيدي نحو كتب محمد بن الحسن.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015