فليس هناك ما يسمى عامًّا وليس في محل النزاع، بل كونه عامًّا لا يصح إلا بدخول محل النزاع فيه؛ فدلالة العام على جميع الأفراد قطعية؛ قال الغزالي في "المستصفى": "والعام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدًا"، وقال الآمدي في "الإحكام": "هو اللفظ الواحد الدال على مسميين فصاعدًا مطلقًا معًا".

وقولك: "ولا يستدل بالأعم على الأخص كما قال العلماء، رحمهم الله " فلعلك تقصد أن الخاص يقضي على العام ولا يقضي العام على الخاص؛ قال الزركشي في البحر المحيط: "الخاص يقضي على العام، فإن الخاص أقرب إلى التعيين من الجملة إذ لا يبعد أن يقصد بها تمهيد الأصول" وراجع كشف الأسرار للبزدوي و قواطع الأدلة في الأصول" لأبى المظفر السمعانى.

ولتعلم رعاك الله أن العلماء نصوا على عكس ما ذكرتَ أنتَ؛ قال العلامة العثيمين "الشرح الممتع 5/ 237": "لأنه لا يصح الاستدلال بالأخص على الأعم، لكن يستدل بالأعم على الأخص؛ لأن العام يشمل جميع أفراده".

نعم؛ إذا ثبت الحكم بنص خاص فلا يحكم بالأعم على الأخص في تلك الحال ولكن أين النص الخاص في مسألتنا؟! والعام يجب العمل بعمومه في جميع أفراده إلا بدليل، ولا دليل هنا.

أما ما زعمته من أدلة خاصة فهي تدور بين أدلة ضعيفة، وأخرى صحيحة لكن دلالتها في غير موضع النزاع، وأخرى صحيحة وفي موضع النزاع – وهو أثر مسروق – ولكنها لا حجة فيها ولا تعارض عمومات السنة التي تشمل موضع النزاع؛ وقد ذكر الأصوليون أن العام لا يُخصص بأقوال الصحابة – إلا لو قيل بحجيتها - فضلا عن أقوال التابعين.

تتمة في حكم الأحاديث والآثار التي أوردها الأخ المشرف

قال الأخ الفاضل: [حديث سهل بن سعد ((ما رأيت رسول الله شاهرا يديه قط يدعو على منبر ولا غيره، ما كان يدعو إلا يضع يديه حذو منكبيه ويشير بإصبعه إشارة).

أخرجه أحمد بن حنبل (5/ 337)، وأبو داود (ح 1105)، وأبو يعلى (13/ 545)، وابن حبان (3/ 165)، وابن خزيمة (2/ 351)، والطبراني في الكبير (6/ 206)، والحاكم (1/ 536) وصححه ووافقه الذهبي، وابن أبي شيبة في المصنف (2/ 320) ولم يذكر إشارة الإصبع. من طريق: (عبد الرحمن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن معاوية عن بن أبي ذباب عنه .. )، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 167): "فيه عبدالرحمن بن إسحق الزرقي المدني وثقه ابن حبان وضعفه مالك وجمهور الأئمة وبقية رجاله ثقات". وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود (ص 105 ح 240). و لشواهده صححه الأرنأوط محقق الإحسان، وحسنه حسين أسد محقق مسند أبي يعلى.

قال البيهقي في سننه (3/ 210): "من السنة أن لا يرفع يديه في حال الدعاء في الخطبة ويقتصر على أن يشير بأصبعه".]

قلت وبالله التوفيق:

أما قول الهيثمي: فيه عبدالرحمن بن إسحق الزرقي المدني إلخ، فلا أدري أَثَمَّ سقط في المجمع، أم أن الهيثمي رحمه الله تعالى قد وهم؟ فإن الزُّرَقي هو عبد الرحمن بن معاوية شيخ عبد الرحمن بن إسحاق، وهو الذي ذكروا تضعيف مالك له كما في ترجمته من تهذيب التهذيب (6/ 245)، وهذه النسبة إلى بني زُرَيق، وهم بطن من الأنصار كما في أنساب السمعاني (3/ 147). وأما عبد الرحمن بن إسحاق، فهو قرشي عامري، من مواليهم، أو ثقفي مدني.

وأما تصحيح الحاكم لإسناده في المستدرك، فلا يُعتمد عليه، لما عرف من تساهله الشديد في ذلك، وبالرغم من تلخيص الحافظ الذهبي له، فقد قال في ترجمة الحاكم من السير (17/ 176) وهو يتكلم عن المستدرك: قد اختصرته، ويعوز عملًا وتحريرًا، وذكر تلميذه الحافظ ابن الملقن عنه في طبقاته أنه صَنَّفه في صغره.

وقد قال الحاكم في عبد الرحمن بن إسحاق: لا يحتجان به ـ يعني الشيخان ـ ولا واحد منهما، وإنما أخرجا له في الشواهد، كما في ترجمته من تهذيب التهذيب (6/ 125).

وأما تصحيح الشيخ الأرنؤوط لإسناده في تعليقه على ابن حبان، فقد عاد وضعفه في تعليقه على المسند؛ لوجود عبد الرحمن بن معاوية في إسناده.

وأما تحسين الأستاذ حسين سليم أسد، فهو مما لا يركن إليه الطالب، فالرجل له جهود لا تنكر في مجال تحقيق السنة النبوية، لكن الأمر كما قال ابن معين عندما سئل عن محمد بن عبد الله الأنصاري، فأثنى عليه في القضاء، فسئل عنه في الحديث، فأنشد:

للحرب والضرب أقوامٌ لها خلقوا **** وللدواوين كُتَّابٌ وحُسَّابُ

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015