ويجاب: بأن هذا الحديث أخصُّ من محلِّ النزاع؛ فإنه مُخْتَص بالإمام ولا يشمل المأمومين، ولو سَلَّمْنَا أنه يشملهم، فيكون دالاً على استحباب رفع الإصبع في الدعاء يوم الجمعة، وهم لا يقولون به أيضاً، ثم ليس استدلالهم بهذا الحديث بأولى من الاستدلال بحديث أبي هريرة في رفع النبي - صلى الله عليه وسلم - كلتا يديه في دعائه على المنبر للاستسقاء، فإن قيل هذا الرفع خاص بدعاء الاستسقاء؟! قلنا: وكذلك حديث عمارة بن رُوَيبة خاص بالإمام دون المأمومين.
ثم إن إنكار عمارة على بشر برؤيته النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يشير بأصبعه لا يعد دليلا على عدم جواز رفع اليدين بمفرده، لأن عمارة روى ما رأى، وهذا لا ينفي أن يكون رآه غيره على غير هذه الهيئة.
قال الحافظ: "ورده – يعني الإمام الطبري - بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة, وهو ظاهر في سياق الحديث؛ فلا معنى للتَّمَسُّكِ به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها".
وقد جرى الجمهورُ على تقييد عدم جواز رفع اليدين في الدعاء يوم الجمعة بالإمام دون المأموم؛
قال شيخ الإسلام في "الفتاوى": "ويُكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة وهو أَصَحُّ الوجهين لأصحابنا; لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يشير بأصبعه إذا دعا، وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استسقى على المنبر".
وقال البهوتي في "كشاف القناع": " (و) يُسَنُّ أن (يدعو للمسلمين)؛ لأن الدعاء لهم مسنون في غير الخُطبة ففيها أولى ... يكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة؛ قال المجد: هو بدعة وفاقاً للمالكية والشافعية وغيرهم. (ولا بأس أن يشير بإصبعه فيه) أي دعائه في الخطبة".
وقال الرملي – الشافعي - في "نهاية المحتاج": " (و) يسن (رفع يديه) فيه (أي في القنوت عندهم)، وفي سائر الأدعية اتباعاً، كما رواه البيهقي فيه بإسناد جيد، وفي سائر الأدعية الشيخان وغيرهما".
وحاصل ما تضمنه كلام الشارح هنا أن للأول دليلين:
فإنه استدل على القول بأن الرفع سنة للاتباع، وأن القائل بعدم سنيته استدل عليه بالقياس على غير القنوت من أدعية الصلاة كدعاء الافتتاح والتَّشَهُّد والجلوس بين السجدتين. وأفاد بقوله كما قيس الرفع فيه إلى آخره أن القائل بالأول استدل أيضا بالقياس المذكور، ومقابل الأصَحِّ عَدَمُ رفعه في القنوت لأنه دعاء صلاة فلا يُسْتَحَبُّ الرفع فيه قياساً على دعاء الافتتاح والتشهد، وفرق الأول بِأَنَّ لِيَدَيْهِ فيه وظيفة ولا وظيفة لهما هنا، وتحصل السنة برفعهما سواء أكانتا متفرقتين أم مُلْتَصِقَتَيْنِ، وسواء أكانت الأصابع والراحة مستويتين أم الأصابع أعلى منها، والضابط أن يجعل بطونها إلى السماء وظهورها إلى الأرض، كذا أفتى به الوالد رحمه الله تعالى، وخبر: ((كان - صلى الله عليه وسلم - لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء))، نُفِيَ، أو محمول على رفع خاص وهو للمبالغة فيه، ويجعل فيه وفي غيره ظهر كفيه إلى السماء إن دعا لرفع بلاء ونحوه، وعلى النقيض من ذلك إن دعا لتحصيل شيء أخذاً مما سيأتي في الاستسقاء، ولا يعترض بأنَّ فيه حركة وهي غير مطلوبة في الصلاة إذ محله فيما لم يَرِدْ، ولا يَرُدُّ ذلك على الإطلاق ما أفتى به الوالد - رحمه الله تعالى - آنفاً إذ كلامُهُ مخصوص بغير تلك الحالة التي تقلب اليد فيها، وسواء فيمن دعا لرفع بلاء في سن ما ذكر أكان ذلك البلاء واقعاً أم لا كما أفتى به الوالد رحمه الله تعالى، واستحب الخطابي كشفهما في سائر الأدعية".
وقال الإمام الشوكاني في "نيل الأوتار": "الحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة".
وبهذا البيان يتبين أن قياس المأموم على الإمام في عدم رفع اليدين حال التأمين فاسد الاعتبار، وأن رفع اليدين في الدعاء عموماً مشروع وثابت؛ فمن دعا ورفع يديه حال الدعاء، لا يُنْكَرُ عليه، إلا في الحالات السابقة، التي صحَّ أن النبي- صلى الله عليه وسلم - ترك رفع اليدين فيها.
وقد سُئِل ابن حجر الهيتمي في "الفتاوى الفقهية الكبرى" عن رفع اليدين بعد فراغ الخطبتين يوم الجمعة هل هو مُسْتَحَب أو بدعة؟ فأجاب:
¥