وعن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعا يديه يقول: إنما أنا بشر فلا تعاقبني، أيما رجل من المؤمنين آذيته أو شتمته فلا تعاقبني فيه)).
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((استقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة وتهيأ ورفع يديه وقال: اللهم اهدِ أوساً وأْتِ بهم)).
وعن جابر - رضي الله عنه -: ((أن الطفيل بن عمرو قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: هل جابر في حِصْنٍ حصينٍ ومَنَعَةٍ؟ وذكر الحديث في هجرته مع صاحب له، وأن صاحبه مرض فجزع فجرح يديه فمات فرآه الطفيل في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما شأن يديك؟ قال: قيل: لن يصلح منك ما أفسدت من نفسك؛ فقصها الطفيل على النبي - صلى الله عليه وسلم – فقال: ((اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فاغفر - رفع يديه)).
وعن علي - رضي الله عنه - قال: ((جاءت امرأة الوليد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه زوجها أنه يضربها؛ فقال: اذهبي إليه فقولي له: كيت وكيت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول، فذهبت ثم عادت؛ فقالت: إنه عاد يضربني فقال: اذهبي فقولي له: كيت وكيت فقالت: إنه يضربني فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده فقال: اللهم عليك الوليد)).
وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رافعاً يديه حتى بدا ضبعاه يدعو لعود عثمان، رضي الله عنه)).
وعن محمد بن إبراهيم التيمي قال: ((أخبرني من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو عند أحجار الزيت باسطاً كفيه)).
وعن أبي عثمان قال: ((كان عمر - رضي الله عنه - يرفع يديه في القنوت وعن الأسود أن ابن مسعود - رضي الله عنه - كان يرفع يديه في القنوت)).
هذه الأحاديث من حديث عائشة: ((إنما أنا بشر فلا تعاقبني)) إلى آخرها رواها البخاري في كتاب "رفع اليدين" بأسانيد صحيحة، ثم قال في آخرها: "هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وفي المسألة أحاديث كثيرة غير ما ذكرته، وفيما ذكرته كفاية، والمقصود أن يعلم أن من ادَّعى حصر المواضع التي وردت الأحاديث بالرفع فيها فهو غالط غلطاً فاحشا والله تعالى أعلم". اهـ.
وقد أفتى بعض المعاصرين بأن رفع اليدين عند التأمين على دعاء الإمام يوم الجمعة بدعة.
واحتج أولاً: بعدم نقله عن الصحابة، مع كثرة الجُمَع التي صلاها النبي، صلى الله عليه وسلم.
ويُجَابُ: بِأَنَّ عدم العلم بالشيء لا يقتضي العِلْمَ بالعَدَم، وبِأَنَّ ما ذكروه مُعَارَض بعموم حديث سلمان وأبي هريرة السابقين، ومجموع الأحاديث الأخرى التي نقلها النووي عن البخاري، وبأن الأصل المُقَرَّر هو أن رفع اليدين من آداب الدعاء عموماً، ولا يخرج عن هذا العموم إلا بدليل، وبأن حصر مواضع رفع اليدين في الدعاء بما ورد من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - خطأ محض؛ لأنه فرد من أفراد العام فلا يخصصه، وقد قرر الأصوليون أن موافق العام لا يخصصه.
واحتجَّ ثانياً: بحديث أنس في "الصحيحين": ((لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء)).
وقد أجاب الحافظ ابنُ حجر في "الفتح" عن هذا الاستدلال بقوله: "إن المنفي صفة خاصة لا أصل الرفع، وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء, وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يُخَالِفُ غيره، إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه – مثلاً - وفي الدعاء إلى حذو المنكبين, ولا يُعَكِّر على ذلك أنه ثبت في كل منهما: ((حتى يُرَى بياض إبطيه))، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره, وإما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء. قال المنذري: وبتقدير تَعَذُّر الجمع؛ فجانب الإثبات أرجح".
واحتج ثالثاً: بما أخرجه مسلم من حديث عمارة بن رُوَيبة: "أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه, فأنكر ذلك وقال: قَبَّحَ اللهُ هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يَزِيدُ على أن يقول بيده هكذا. وأشار بإصبعه المُسَبِّحَة.
¥