2 - أن الحديث فيه أن الخطاب موجه لمن كان في المسجد متأخراً عن الصف الأول كما تدل عليها الروايات ففي ذلك تقاعس وتباطؤ عن القيام للصلاة مما يكون فيه تشبه بالمنافقين الذين وصفهم الله عز وجل بأنهم إذا قاموا غلى الصلاة قاموا كسالى، كما أن فيه الزهد بالقرب من النبي (ص) وأخذ العلم منه في كيفية الصلاة ونحو ذلك.
وينظر في تفسير قوله (ص): " يؤخرهم الله " بأنه التأخير عن الفضل والرحمة وعظيم المنزلة والعلم:
الاستذكار لابن عبد البر (1/ 377) شرح النووي على مسلم (4/ 159) عمدة القاري للعيني (5/ 249) عون المعبود (2/ 165)
3 - أن في الحديث قوله: " لا يزال قوم " وهذا يدل على أنه عمل مستمر ولا شك أن الإصرار على ترك السنة المؤكدة يوجب العتاب والذم وقد قرر ذلك كثير من الفقهاء والأصوليين وقد جعل الفقهاء من المذاهب الأربعة السنة مراتب في القوة، وقد ذهب الحنفية إلى أن المرء يأثم بترك السنة المؤكدة كما ذكر ابن عابدين (1/ 610)
قال السرخسي: (حكم السنة هو الاتباع فقد ثبت بالدليل أن رسول الله (ص) متبع فيما سلك من طريق الدين قولا وفعلا وكذلك الصحابة بعده وهذا الاتباع الثابت بمطلق السنة خال عن صفة الفرضية والوجوب إلا أن يكون من أعلام الدين فإن ذلك بمنزلة الواجب في حكم العمل على ما قال مكحول رحمه الله السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها ضلالة وسنة أخذها حسن وتركها لا بأس به فالأول نحو صلاة العيد والأذان والإقامة والصلاة بالجماعة ولهذا لو تركها قوم استوجبوا اللوم والعتاب ولو تركها أهل بلدة وأصروا على ذلك قوتلوا عليها ليأتوا بها والثاني نحو ما نقل من طريقة رسول الله (ص) في قيامه وقعوده ولباسه وركوبه وسننه في العبادات متبوعة أيضا فمنها ما يكره تركها ومنها ما يكون التارك مسيئا ومنها ما يكون المتبع لها محسنا ولا يكون التارك مسيئا وعلى هذا تخرج الألفاظ المذكورة في باب الأذان من قوله يكره وقد أساء ولا بأس به وحيث قيل يعيد فهو دليل الوجوب) أصول السرخسي (1/ 114 - 115)
ونقل ابن عابدين عن أبي اليسر البزدوي قوله: (ويلام على تركها مع لحوق إثم يسير)
وينظر فيض الباري للكشميري (1/ 141)
ويقول الشاطبي رحمه الله: (إذا كان الفعل مندوبا بالجزء كان واجبا بالكل كالأذان في المساجد الجوامع أو غيرها وصلاة الجماعة وصلاة العيدين وصدقة التطوع والنكاح والوتر والفجر والعمرة وسائر النوافل الرواتب فإنها مندوب إليها بالجزء ولو فرض تركها جملة لجرح التارك لها ألا ترى أن في الأذان إظهارا لشعائر الإسلام ولذلك يستحق أهل المصر القتال إذا تركوه وكذلك صلاة الجماعة من داوم على تركها يجرح فلا تقبل شهادته لأن في تركها مضادة لإظهار شعائر الدين ... ) الموافقات (1/ 132)
وقد قال أحمد رحمه الله: من ترك الوتر عمدا فهو رجل سوء ولا ينبغي أن تقبل له شهادة وقد صرح في رواية حنبل فقال: الوتر ليس بمنزلة الفرض.
قال المرداوي في الإنصاف (12/ 43): (نقل أبو طالب: لو ترك سنة سنها الرسول (ص) فمن ترك سنة من سننه: فهو رجل سوء.
وقال القاضي: يأثم.
قال في الفروع: ومراده لأنه لا يسلم من ترك فرض وإلا فلا يأثم بترك سنة
وإنما قال هذا الإمام أحمد رحمه لله فيمن تركها طول عمره أو أكثره فإنه يفسق بذلك
وكذلك جميع السنن الراتبة إذا داوم على تركها لنه بالمداومة يكون راغبا عن السنة وتلحقه التهمة بأنه غير معتقد لكونها سنة
وكلام الإمام أحمد رحمه الله خرج على هذا
وكذا قال في الفصول: الإدمان على ترك هذه السنن غير جائز واحتج بقول الإمام أحمد رحمه الله في الوتر
وقال - بعد قول الإمام أحمد رحمه الله في الوتر -: وهذا يقتضي أنه يحكم بفسقه
قلت: فيعايى بها على قول القاضي و ابن عقيل
ونقل جماعة: من ترك الوتر فليس بعدل
وقال الشيح تقي الدين رحمه الله في الجماعة على أنها سنة لأنه يسعى ناقص الإيمان
وقال في الرعاية: وترد شهادة من أكثر من ترك السنن الراتبة)
وينظر: المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لابن بدران (ص 155)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الاستمرار على ترك السنن خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل عن رجل استمر على ترك الوتر: هذا رجل سوء) درء تعارض العقل والنقل (4/ 133)
¥