فإن قيل: إن الله أمر باتباع سبيل المؤمنين، والصحابة في عصرهم كانوا هم جميع المؤمنين، بخلاف العصور التي بعدهم.

قيل له: متى كان الصحابة جميع المؤمنين؟ إن كنت تقصد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالأكثرون على أنه لا إجماع في حياته أصلا، وإن كنت تقصد بعد وفاته، فليسوا هم جميع المؤمنين بلا نزاع.

و أنتَ تقٌولٌ بأنّ إجماع أهلَ عصر حجّة و إن سبقه خلاف

فإن قُلتَ: "بأنّ أهل العصر هم المؤمنين الذين أمر الله باتباعهم في الآية التي تشير إليها هنا"، قُلتُ لكَ: "و لمَ أخرجتَ مَن سَبقهم من المٌؤمنين بعد وفاة النّبي صلى الله عليهم و هم مؤمنين أم أنّهم بعد وفاتهم أصبحوا غير مؤمنين؟ "

و لا يٌتصَور بعدَ وفاة النّبي صلى الله عليه و سلّم أن يٌخالفَ جميع الصحابة مٌجتهدُُ من التابعين.

فالخلاصة أن القول بأن الإجماع الصحيح هو إجماع الصحابة فقط إن كان معناه أنه لا عبرة بالخلاف بعدهم، فهذا صواب، وإن كان معناه أنه لا يمكن حصول الإجماع بعدهم في المسائل التي لم يتكلموا فيها أو في المسائل التي اختلفوا فيها، فهذا قول باطل واضح البطلان.

أما إمكانية حصول الإجماع بعد عصر الصحابة فَصَدقتَ فلا يُوجد ما يمَنعُه منَ الأدلّة الشرعية و لكن ينبغي التنبيه إلى أنّ مسألة إمكان وقوعه شيء و مسألة العلم به شيء آخر.

وأما ما يزعمه بعض الناس من أن من شرط الإجماع أن ينقل عن كل مجتهد مجتهد بعينه النص الصريح في المسألة، فهذا كلام واضح البطلان أيضا، ولا يقوله إلا من لا يفقه ما يقول أصلا.

أما أنّه خطأ فصحيح أما أنّه واضح البطلان لغيرك فلا و لو كان واضحا فلما وقع كثير من العلماء في هذا الخطأ و معلوم الخلاف في إعتبار الإجماع السكوتي حجّة أم لا.

ومن الإشكالات أيضا في هذا الباب: الخلط بين المعلوم من الدين بالضرورة، وبين الإجماع. فإن المعلوم من الدين بالضرورة هو من قطعيات الشرع، فإن وجد المخالف فيه فلا عبرة بخلافه، ولا نحتاج أصلا إلى النظر والبحث في أقوال المجتهدين لنعلم أتفقوا أم اختلفوا، وبسبب هذا الإشكال وقع بعض العلماء في إشكال آخر، فزعم أن الإجماع الصحيح لا بد أن يكفر منكره! فإن لم يكفر منكره فليس بإجماع!

- المعلوم من الدّين بالضرورة إجماع إذ لا يُتصوَر أنّ أحدا من الصحابة بعد وفاة النّبي صلى الله عليه و سلّم لا يَذهَبهٌ

- و الإجماع في المعلوم من الديّن بالضرورة يَسهُلٌ الإطّلاع عليه بخلاف دعاوى الإجماع فيما ليس بمعلوم من الدّين بالضرورة سواء أدُّعيت هذه الإجماعات عن الصحابة أم مَن بَعدَهم طبعا أنا أتكلم هنا عن دعوى الإجماع فيما ليسَ بمعلوم من الدّين بالضرورة.

فإن وجد المخالف فيه فلا عبرة بخلافه، ولا نحتاج أصلا إلى النظر والبحث في أقوال المجتهدين لنعلم أتفقوا أم اختلفوا،

- إن وٌجد المخالف فلا عبرة به لأنّه جاء بعد إجماع الصحابة و ثانيا لأنّ نصوص المعلوم من الدّين بالضرورة صريحة وواضحة بالنسبة للمجتهد.

- أيضا ينبغي التنبيه بأنّ الإجماع في المعلوم من الدّين بالضرورة داخل في النٌصوص: التي فيها سواء الأمر بإتباع سبيل المؤمنين أو بأنّه لا تزال طائفة من الأمّة ظاهرة على الحقّ أو أنّ الأمّة لا تجتمع على ضلالة.

- فإخراج الإجماع في المعلوم من الدّين بالضرورة من هذه النصوص غير صحيح

- و بالتالي فدخولٌه يٌبطل دَعوى من يدّعي بأنّ مَن يحصر إمكانية الإطّلاع على الإجماع إلا في المعلوم من الدّين بالضرورة بأنّه أهدر النٌصوص التي تثبت حجّية الإجماع.

وبسبب هذا الإشكال وقع بعض العلماء في إشكال آخر، فزعم أن الإجماع الصحيح لا بد أن يكفر منكره! فإن لم يكفر منكره فليس بإجماع!

وهذا الكلام إنما هو في المعلوم من الدين بالضرورة، وليس في الإجماع، فهذا خلط واضح بينهما

أولا: قولٌك بأنّ هذا الكلام في المعلوم من الدين بالضرورة و ليس في الإجماع يُشعرٌ و كأنَ المعلومَ من الدين بالضرورة لم يقع عليه الإجماع و هذا خطأ،

ثانيا: ما ادعاه بعض أهل العلم بأنّه لا يٌمكنٌ الوقوف و العلم بالإجماع إلا في المعلوم من الدّين بالضرورة؛ لا يَعني أنّهم لا يعتبرون عدم إمكانية وقٌوعٌ الإجماع فيما ليسَ بمعلوم من الدين بالضرورة إذ بَعضٌهم إنّما يحيل إمكانية الإطّلاع عليه و ليس في هذا أيُ خَلط بين المعلوم من الدين بالضرورة و بين الإجماع فيما ليس بمعلوم من الدّين بالضرورة.

ـ[سراج بن عبد الله الجزائري]ــــــــ[14 - Nov-2007, مساء 09:46]ـ

و أنّبه خصوصا على ما يلي: و أظٌنٌ أنّ الخلل عندَك يا أخي أبو مالك في فهم ما مقصود من اشترط معرفة الأعيان و تعدادهم في ادّعاء الإجماع هذا الشرط الذي ادّعيت بأنّه لا خلاف فيه:

- يقول الشيخ مشهور حسن: "و الإجماع حجة إن تحققت فيه من هذه الشروط، و لكن لا يتصور تحققها إلاّ في العصر الأول -عصر الصحابة -"

- ثم قال: "هذا مذهب الظاهرية، و هو إحدى الروايتين عن أحمد وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه، قاله الزركشي في البحر المحيط"

- ثم قال: "الناظر في كلام أحمد يجده يذمّ إطلاق الإجماع، و المتمعن في كلامه يكاد لا يجد احتجاجا عند إلا بما أجمع عليه الصحابة"

- و قال: "و ذَهب إلى عدم تصور وقوع الإجماع في العصور المتأخرة -فضلا عن تحققه- جمع من المحققين: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "و لا يعلم إجماع بالمعنى الصحيح إلاّ ما كان في عصر الصحابة، أمّا بعدهم فقد تعذّر غالبا"

- و قال: "فلا يٌتصور الإجماع إلاّ في عصر الصحابة لمعرفة أعاينهم"

فليسَ مَقصٌود هؤولاء العلماء و لا أنا من الكلام السابق حَصرٌ جميع أسماء الصحابة و الوقوف على كلامهم بلفظه واحدا واحدا و مما يبيّنٌ ذلكَ طريقَتنا هذه مَقصُودُنا بمعرفة أعيان الصحابة أي معرفة قَدرا كاف منهم عن طريق هذا القدر يٌمكنٌ أن يٌستدَلَ به على صفات أولئك الآخر و طريقة تفكيره و نفسٌ الكلام يَنسحب على معرفة أقوالهم و بالتالي فتتكون عندنا غلبة ظن على الأقل في معرفة عامة أعيان الصحابة و معرفة عامة مذهبهم في المسألة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015