ومن أشهر ذلك أن الخلفاء كانوا يجمعون الصحابة للشورى في المسائل المشكلة، ثم تكون نتيجة اجتماعهم ملزمة للناس بعد ذلك، وهذا مشهور من صنيعهم.

الخٌلفاء و الصحابة ليسوا كغيرهم و ذهب طائفة من العلماء إلى اعتبار قول أحادهم حجّة و إن لم يجمعوا فكيف إذا أجمعت طائفة كبيرة منهم فما ذكرتَ هنا غير كافي لإثبات حجية الإجماع فضلا على نقض كلام من يعتبر إمكانية إدّعاء الإجماع في عصر الصحابة فقط دون غير.

و أيضا ينسحبٌ على عدم كفاية طريقتك في عرض هذه الآيات التي ذكرتها:

ومنها ما هو ظاهر كقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}، وقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، ومنها ما هو إشارة كقوله تعالى: {هذا ذكر من معي وذكر من قبلي}،

في نقض مذهب من تَتَعجبُ من مذهبهم إذ هم يقرون بها،

أما حديث: (لا تزال طائفة من أمتي)

فيَدخٌل في ضمن هذه الطائفة مَن نٌقلت أقوالهم الصحيحة و ترجيحاتهم الصحيحة و مذاهبهم الصحيحة من مَن مات من أهل الإسلام و لا يُوجَدُ ما يُخرجهم من هذا الحديث و بالفعل هو صريح في كون الإجماع حجّة و لكن لا أدري كيف فهمتَ صراحته -إن فهمتَ ذلك- في نقض مذهب من تتعجبُ من قولهم من الذين يرون الإجماع حجّة يجبٌ الأخذ به!

وهناك فرق بين مقام تقرير الحق، ومقام مناقشة المبطل المجادل المنازع؛ فقد يكتفى في المقام الأول بالإشارة التي تغني عن كثير من العبارة.

صَحيح يٌكتفى بتقرير العالم المَعرٌوفٌٌ برٌسوخٌه في العلم و تَأَدٌبه في مٌناقشة كلام أهل العلم مَعَ معرفتنا بأنّه قَد ردّ كلام مَن يخالفه بالدليل فأينَ أنت من كٌل هذا حتى تَقٌولَ هذا الكلام؟!

فمثلا من يقول: إجماع الصحابة فقط هو الحجة دون غيره، نقول له: إن قيل لك: ليس هو بحجة كما كان غيره ليس بحجة، لم يكن عندك جواب.

ادّعاء بأنّه ليس له جواب غير وجيه؛ إذ كثير منهم يقول بأنّ قول الصحابي حجّة دون غيره ممن بعدهم من المسلمين و بالطبع هذا إذا لو يوجد المخالف، فإذا كان هذا في شأن الواحد من الصحابة فما بَالٌك إذا كان بقول عامتهم بالشرط المذكور آنفا.

فإن قال: الصحابة يمكن اجتماعهم وحصرهم، قيل له: حتى الآن لا يعرف كتاب حصر جميع الصحابة، وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف! والذين نقلت عنهم الفتوى من الصحابة نحو المائة، وكثير منهم إنما نقل عنه وقائع يسيرة جدا، وأما المشهورون بالفتوى من الصحابة فنحو العشرة فقط! ثم إن الصحابة ليسوا كلهم من المجتهدين بلا نزاع، وبعضهم قد اختلف في كونه من المجتهدين! فكيف يقال: إن هذا الحصر ممكن؟!

أما أن يتٌصور اجتماع جميع الصَحابة في آن واحد و أن يُنقَلَ لنا هذا؛ فَهذَا قد أبدَعَ الأميرٌ الصنعاني في استبعاده حيث قال: "و هذا يحتاج إلى شدائد و مهامه (هي المفازة البعيدة الأطراف)؛فإنّه و في رسول الله صلى الله عليه و سلّم و الإسلام قد انتشر -بحمد الله-، و لم يزل إلى قوة؛ فكيف يتصور اجتماع مجتهدي الأمة في آن واحد، و إجماعهم على حكم؟!! "

و أظٌنٌ أنّ الخلل عندَك في فهم ما مقصود هؤولاء العلماء:

/// يقول الشيخ مشهور حسن: "و الإجماع حجة إن تحققت فيه من هذه الشروط، و لكن لا يتصور تحققها إلاّ في العصر الأول -عصر الصحابة -"

/// ثم قال: "هذا مذهب الظاهرية، و هو إحدى الروايتين عن أحمد وهو ظاهر كلام ابن حبان في صحيحه، قاله الزركشي في البحر المحيط"

ثم قال: "الناظر في كلام أحمد يجده يذمّ إطلاق الإجماع، و المتمعن في كلامه يكاد لا يجد احتجاجا عند إلا بما أجمع عليه الصحابة"

و قال: "و ذَهب إلى عدم تصور وقوع الإجماع في العصور المتأخرة -فضلا عن تحققه- جمع من المحققين: قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "و لا يعلم إجماع بالمعنى الصحيح إلاّ ما كان في عصر الصحابة، أمّا بعدهم فقد تعذّر غالبا"

و قال: "فلا يتصور الإجماع إلاّ في عصر الصحابة لمعرفة أعاينهم"

فليسَ مَقصٌود هؤولاء العلماء حَصرٌ جميع أسماء الصحابة و الوقوف على كلامهم بلفظه واحدا واحدا و مما يبيّنٌ ذلكَ طريقَتهٌم و إنّما مَقصُودُهم بمعرفة أعيان الصحابة أي معرفة قدرا كاف منهم عن طريق هذا القدر يٌمكنٌ أن يٌستدَلَ به على صفات أولئك الآخر و طريقة تفكيره و نفسٌ الكلام يَسنحب على معرفة أقوالهم.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015