ولكنك خالفت نفسك في الأخير فذكرت أنه لا يتصور أن يصدر هذا الكلام من عالم، فأعطني القواعد الحاسمة للنزاع التي بنيت عليها هذا الكلام، لا أريد ما يخص هذه المسألة، وإنما أريد تأصيلا علميا واضحا لنعرف العالم من غير العالم.
أما ما نقلته عن أهل العلم فهي اجتهادات ذكرتَ أنت نفسك أنهم اختلفوا فيها، فكيف تجعل اختلافهم حجة؟ وكيف تلزم هذا الذي يدعي الاجتهاد باجتهاد مخالف له؟
بناء على كلامك الأول فهو مجتهد، وبناء على كلامك الأخير فهو جاهل، وهذه وجهة نظرك، وهو يخالفك فيها، فما الذي يقطع المسألة بينكما؟
وليس المطلوب منك أن تناقش مسألة النصارى بعينها، فهي مجرد تمثيل لتقريب الأمر، وإلا فهي مسألة محسومة، وإنما المراد منها أن فهم النصوص لا بد أن يكون مقيدا بما لا يخالف الإجماع.
فإذا كنت تقول: لا يتصور أن يقول هذا الكلام عالم، فأنا أقول لك: ولا يتصور ذلك في مسألة المعازف أيضا، ولا يتصور ذلك أيضا في كل مسائل الإجماع، فيجب أن يكون أصلك مطردا وإلا كنت متناقضا.
وللإيضاح أكثر أقول لك:
هذا الذي سيرد الإجماع بدعوى أن النصوص تخالف ذلك، أنت تقول: لا بد أن يكون قد وصل لدرجة تؤهله ليكون مجتهدا يستطيع الاستنباط من النصوص، فكيف في تصورك سيصل إلى هذه الدرجة؟ من المؤكد أنه سيصل إليها عن طريق طلب العلم، وذلك مثلا بالأخذ عن الشيوخ، وبقراءة الكتب المعتمدة، وبحفظ نصوص الكتاب والسنة والتفقه في معانيها، وبالنظر في كتب اللغة ودراستها ونحو ذلك مما هو معروف.
فنقول الآن: إذا كان هو سيبني اجتهاده على ما حصله من كلام أهل العلم، فكيف يرد في عقله أو في عقلك أن هذه القواعد التي وضعها أهل العلم سوف تقوده إلى نتائج تخالف كلام أهل العلم؟! هذا لا يتصور عقلا إلا في حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون بعض هذه القواعد التي درسها باطلة.
الحالة الثانية: أن يكون هو أخطأ في فهم كلام أهل العلم.
وعلى كلا الاحتمالين فالنتيجة التي سيصل إليها خطأ؛ لماذا؛ لأنه إن كان قد اعتمد على قواعد باطلة، فالنتيجة التي وصل إليها لا شك أنها باطلة؛ لأن ما بني على باطل فهو باطل، فثبت بمجموع الأمرين أنه لا يمكن أن يأتي مجتهد فيستنبط من القواعد التي وضعها أهل العلم ما يخالف كلام أهل العلم.
أرجو أن يكون كلامي واضحا، وخلاصة المقصود من كلامي أن المجتهد له حدود يتحرك فيها، ولا يجوز له أن يتجاوزها، وهي ما وسع أهل العلم الاختلاف فيه، أما ما اتفقوا عليه فهو حمى ممنوع حتى لو صور له عقله أنهم على الخطأ؛ فإنه ما صار عالما إلا بعد أن نهل من معين هؤلاء العلماء، فإذا كانوا جميعا على الخطأ فيجب عليه حينئذ أن لا يثق فيما حصله من علم عنهم.
وإن العاقل يعرف أن عقله لا يفوق عقول مئات العلماء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كما قال ابن المقفع: (حق على العاقل أن يجبن عن المضي على الرأي الذي لا يجد عليه موافقا وإن ظن أنه على اليقين).
ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[07 - Nov-2007, مساء 05:13]ـ
لا يُمكن أن يَصدٌر هذا الكلام من عالم؛ لأنّه لا يُتصَور أن يَجهل شخصٌٌ عنده إطلاع واسع على الشريعة الإسلامية: النُصوص التي فيها إشتراط التوحيد في الإسلام و العالم لا يؤمن ببعض الشريعة و يَكفٌر بالبعض الآخر فهو يجمع بين النصوص. فلا يُتصور أن يَعتبرَ عالما شخصا ما يُشرك بالله الشرك الأعظم من اليهود و النصارى مسلما لأنّه لا يؤذي الناس بل من الأذية للناس أنّه آذى الأنبياء لأنّه لم يتّبع دعوتهم لتوحيد الله و هذا من الأذية للناس.
كلامك هذا صحيح وأوافقك عليه، ولكن علام يدل؟!
يدل على أن من يأتي بفهم جديد لا يوافقه عليه أحد من أهل العلم فكلامه باطل، ولا نحتاج أن ننظر في دليله أصلا، كمن يقول: الإمام مالك ضعيف الحديث، فحتى لو جاءنا بألف دليل على كلامه فكلامه لا يحتمل الصواب أصلا قولا واحدا، وهذا لا يمنع أن يرد عليه ويبين له الصواب، ولكن المقصود أنه لا يوجد احتمال لصحة كلامه.
فكذلك من جاء بكلام جديد لم يقل به أحد من أهل العلم مع شهرة المسألة وكثرة من تداولها منهم، فكلامه باطل قطعا حتى لو كان مستندا إلى النصوص، والخطأ في فهمه قطعا وليس في النصوص، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
(وكل فهم ينفرد به المتأخر ولم يوافقه أحد من المتقدمين فهو باطل)
وأقول للأخت هالة: هذا هو النص الذي يبين كلام شيخ الإسلام، ومنهج شيخ الإسلام معروف من كتبه، فلا نحتاج أن نجمد على ظاهر نصه مع علمنا بطريقته.
وكذلك الإمام أحمد يقول: (لا تتكلم في المسألة ليس لك فيها إمام)
وهذا منهج معروف عن السلف، وهو أنهم لا يحدثون أقوالا يعلمون أن السابقين جميعا يقولون بخلافها حتى لو سولت لهم أنفسهم أن النصوص على خلافها؛ لأن اتفاق السابقين على خلاف ظاهر النص دليل قاطع على أن هذا النص ليس على ظاهره، وأن الخطأ في فهم المتأخر؛ إذ لا يتصور أن تجتمع الأمة على الجهل بمراد الله ورسوله، ولا يتصور أن تتعمد الأمة جميعا مخالفة الشريعة، ولا يتصور أن لا يوجد في الأمة واحد يعرف الحق.
وأما مسألة الجمع بين النصوص وأخذها جميعا، فهذا كلام صحيح، ولكن أي نص تقدم وأي نص تؤخر؟ فيمكن أن يأتي هذا المعاصر ويقول لك: بل هذه النصوص العامة في كفر النصارى مخصوصة بهذا النص في الذين لا يؤذون أحدا، أو نحو هذا الكلام الباطل، ولن تستطيع أن تنتهي معه في الجدال إلا بالرجوع إلى أصل قاطع للنزاع وهو أن قوله لم يقل به أحد، وهذا وحده يكفي في إبطال قوله.
¥