لا يصح أن يقال: الفيصل النصوص؛ لأن كليكما يحتج بالنصوص.

فأنت هنا بين أمرين: إما أن تقبل كلام هذا الإنسان؛ لأنه يحتج بنص كما تحتج أنت بنص، وتقبل كلامه في أنه لا عبرة بالإجماع، وإما أن تجعل الإجماع حاكما على الأقوال الباطلة في فهم النصوص، وهذا هو المراد.

خلاصة الأمر يا إخوتي أن الإجماع لا يراد منه - كما يظن كثير من الناس - أن نرد النصوص بالأهواء، فإن الواحد من أهل العلم أجل من أن يخالف النصوص، فما بالك بألوف العلماء؟! هل يظن أنهم جميعا خالفوا النصوص بالهوى؟ أو هل يظن أنهم جميعا أخطئوا في فهم النص؟ هذا لا يعقل، وإن استطاع أحد أن يعقله، فلا جدال في أن خطأ الواحد في فهم النص أولى ألف مرة من خطئهم، فيسقط كلامه كله.

وإنما المراد من الإجماع سد الطريق على من لم يتأهل، وسد الباب على مدعي العلم ومدعي استنباط الأحكام من النصوص مباشرة، فيأتينا كل يوم واحد بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى أن هذا ما تدل عليه النصوص، وبدعوى أنه لا عبرة بكلام أهل العلم، وبدعوى أن الإجماع لا عبرة به إن خالف النصوص، وبدعوى أن التقليد باطل مذموم ... إلخ إلخ.

فعلماء الأمة لم يكونوا بهذه السذاجة عندما تكلموا عن الإجماع، وعندما تحرزوا في مخالفة الإجماع، وإنما أرادوا أن يُحفظ هذا الدين، ولا يكون مباحا بلا حمى لكل من هب ودب ليقول بعقله ما شاء!

- و أما قولك:

وهذه هي النكتة التي أوقعت كثيرا من الناس في الخلط، فظنوا أننا نقدم الإجماع على النص، وهذا غير صحيح، فالإجماع لا يمكن أن يخالف النص، ولكنه قد يخالف فهم بعض الناس للنص؛ إما لسوء فهمه، وإما لعدم تحققه بعلوم العربية، وإما لأنه لم يعلم باقي النصوص التي فسرت هذا النص، وإما لغير ذلك من القرائن، والأسباب، فحينئذ يقدم الإجماع؛ لأن الإجماع لا ترد عليه هذه العوارض، فلا يرد عليه الخطأ في الفهم، ولا يرد عليه أنه منسوخ مثلا، أو أنه معارض بإجماع آخر أو نحو ذلك.

معاذ الله أن يٌظن فيكم أنّكم تقدّمون الإجماع على النص إلا أنّ هذا الشخص الذي يخالف إجماعا صحيحا بناءا على فهم خاطئ لنص ينظر فيه:

* فإن كان فعل هذا عن إجتهاد فلا يعاب عليه هذه المنهجية لأنّها صحيحة، و قبل أن يلزم باتباع الإجماع ينبغي أن يبيّن له أولا خطأ فهمه للنص فإن بيّن له فبعد ذلك يصح إلزامه بإتباع الإجماع. أما أن يٌلزم بدعوى الإجماع و هو أصلا غير مقتنع بها كونّ هذا الدعوى مصادمة للنص حسب فهمه و إن كان هذا الفهم خاطئا فهذا غير صحيح،

* أما إن لم يكن من أهل الإجتهاد فهذا يطالب بالتقليد و ينكر عليه هذا الصنيع و بالتالي يصدق عليه كلامك هذا: "وإنما المراد من الإجماع سد الطريق على من لم يتأهل، وسد الباب على مدعي العلم ومدعي استنباط الأحكام من النصوص مباشرة، فيأتينا كل يوم واحد بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى أن هذا ما تدل عليه النصوص، وبدعوى أنه لا عبرة بكلام أهل العلم، وبدعوى أن الإجماع لا عبرة به إن خالف النصوص، وبدعوى أن التقليد باطل مذموم ... إلخ إلخ."

- و بالمنسبة لقولك:

أما إن قلنا إن الإجماع مردود لأنه مخالف للنص، فهذا كلام باطل؛ لأنه لا يعجز أحد أن يفهم من النصوص شيئا ويرد بها الإجماع،

عذرا و لكن هذا الذي تصفه بكلام باطل قد قرّره شيخ الإسلام بن تيمية و ابن عثيمين و هما عالمان كبيران و لا يرد على كلامهما تعليلك التالي: "لأنه لا يعجز أحد أن يفهم من النصوص شيئا ويرد بها الإجماع" للتفصيل الذي سبق و أن أشرت إليه حيث قلتٌ: أنّ هذا الشخص الذي يخالف إجماعا صحيحا بناءا على فهم خاطئ لنص ينظر فيه: * فإن كان فعل هذا عن إجتهاد فلا يعاب عليه هذه المنهجية لأنّها صحيحة، و قبل أن يلزم باتباع الإجماع ينبغي أن يبيّن له أولا خطأ فهمه للنص فإن بيّن له فبعد ذلك يصح إلزامه بإتباع الإجماع. أما أن يٌلزم بدعوى الإجماع و هو أصلا غير مقتنع بها كونّ هذا الدعوى مصادمة للنص حسب فهمه و إن كان هذا الفهم خاطئا فهذا غير صحيح، * أما إن لم يكن من أهل الإجتهاد فهذا يطالب بالتقليد و ينكر عليه هذا الصنيع.

فلم يخطىء الأخ سراج في هذا الأمر و لم يخلط أقول هذا من باب إحقاق الحقّ، بل هو منهج أئمة فطاحل و كبار من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية.

و في الختام وفقني الله و إياك لما فيه خير.

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[07 - Nov-2007, صباحاً 09:47]ـ

قد احتوى الكلام السابق على قدر كبير من الإشكالات، ولا يمكن مناقشته كله باختصار واقتصار، ولذلك أرى أن نسير نقطة نقطة حتى تتضح الأمور ويظهر البيان الشافي في محل الإشكال.

أولا: من الذي يقرر أن هذا الشخص قد صار من أهل الاجتهاد أو لا؟

هل الشخص بنفسه هو الذي يقرر ذلك؟ أو يجب أن يشهد له شيوخه وأقرانه مثلا؟ أو ماذا؟

ثانيا: كيف يحكم أهل العلم على فلان بأنه جاهل، أو بأنه ليس أهلا للفتيا، أو بأنه لا يجوز له الكلام في دين الله؟

يعني مثلا: القول الذي سقناه سابقا عن الذي يدعي أن (اليهود والنصارى مسلمون إذا كانوا لا يؤذون الناس) هل يمكن أن يصدر من عالم مجتهد؟ فإن كان الجواب بالنفي فكيف عرفنا ذلك؟

يجب التأني والحذر عند الجواب؛ لأننا سنبني عليه كثيرا من المسائل.

وهذان السؤالان مرتبطان فكأنهما نقطة واحدة.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015