وأما الفرق بين كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وكلام الأخ سراج أن كلام شيخ الإسلام في النصوص الواضحة الدلالة التي لا تحتمل الخلاف في فهمها، وهذه يستحيل وجود الإجماع على خلافها، وأنا أتحدى أن يأتي أحد بنص شرعي واضح لا يختلف في فهمه وقد وقع الإجماع على خلافه.
- أما قولك:
أن كلام شيخ الإسلام في النصوص الواضحة الدلالة التي لا تحتمل الخلاف في فهمها،
عذرا و لكن لم يقٌل شيخ الإسلام هذا (يعني إشتراط أن لا يحتمل الإختلاف في الفهم للنص) في حدود اطلاعي على مظان هذا الأمر في كلامه.
فإن كنت اطلعت على هذا الكلام لهذا الإمام فأرجو أن تفيدنا به و أجرك على الله؟
- أما قولك:
وأنا أتحدى أن يأتي أحد بنص شرعي واضح لا يختلف في فهمه وقد وقع الإجماع على خلافه.
لا أحد هنا قال بأنّه يمكن أن تكون هناك مصادمة بين نص شرعي واضح لا يختلف في فهمه و بين إجماع صحيح! بل حتى الأخ سراج يرى أنّ هذا لا يمكن!!
- و أما بالنسبة لهذا الشرط: ((تعداد مجتهدي هذه الأمة كلهم بأعيانهم ولا يحصل العلم باتفاق علماء الأمة إلا بعد معرفة كل واحد منهم بعينه)):
فقد ذكره الأخ سراج في الإجماع الذي لم يعلم من الديّن بالضرورة فهو يثبت إجماعان: الإجماع الذي يمثل المعلوم من الدّين، الإجماع الذي لا يمثل المعلوم من الدّين بالضرورة. فالأخ يفرق بين المعلوم من الدين بالضرورة و بين غيره من الإجماعات و قد أخطأت في قولك للأخ سراج: "هذا هو سبب الإشكال عندك وعند الشوكاني وعند ابن حزم أيضا؛ وهو عدم التفريق بين الإجماع وبين المعلوم من الدين بالضرورة". فأما الإجماع الذي يمثل ما هو معلوم من الدّين بالضرورة فهذا لا خلاف في كونه حجّة عندي و عندك و لا يُشترط فيه الشرط الذي أشار إليه الأخ سراج لإثباته؛ للعلة التي ذكرها: الذي لا يحتمل إختلاف الفهم فيه مع وضوح الأدلّة و إنتشارها بين المسلمين و له أمثلة. أما الإجماع الذي لم يصل إلى أن يصبح معلوما من الدّين بالضرورة فهو ممكن و قد يقع و لكن من يدّعيه يصدق عليه كلام الإمام أحمد: "ما يدعي فيه الرجل الإجماع فهو كَذِبْ. من ادّعى الإجماع فهو كاذب. لعلّ الناس اختلفوا. ما يدريه ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا. هذه دعوى بشر الميرسي (إمام الجهمية) والأصم (شيخ المعتزلة). ".
- أما قولك:
وأما مناسبة الكلام الذي ذكرته فهو أن الأخ سراج يعترض على الإجماع بمجرد فهمه للنص، وهذا خطأ، فلا يتحقق الاعتراض على الإجماع إلا بثبوت وجود المخالف، وهذا واضح في تعريف الإجماع.
أين ردَّ الأخ سراج إجماعا صحيحا بفهمه و كان خاطئا في فهمه للنصوص الشرعية؛ هو يقول إذا فهم المجتهد من النصوص ما يصادم دعوى إجماع فللمجتهد أن لا يعتد بهذه الدعوى للإجماع فلا يصح أن يأخذ المسلم بدعوى إجماع قد تكون باطلة و يترك ما فهمه من كلام الله و كلام رسوله عليه الصلاة و السلام و ليس هذا ببدعا من الكلام.
وهذه هي النكتة التي أوقعت كثيرا من الناس في الخلط، فظنوا أننا نقدم الإجماع على النص، وهذا غير صحيح، فالإجماع لا يمكن أن يخالف النص، ولكنه قد يخالف فهم بعض الناس للنص؛ إما لسوء فهمه، وإما لعدم تحققه بعلوم العربية، وإما لأنه لم يعلم باقي النصوص التي فسرت هذا النص، وإما لغير ذلك من القرائن، والأسباب، فحينئذ يقدم الإجماع؛ لأن الإجماع لا ترد عليه هذه العوارض، فلا يرد عليه الخطأ في الفهم، ولا يرد عليه أنه منسوخ مثلا، أو أنه معارض بإجماع آخر أو نحو ذلك.
فالإجماع عندما يقدم إنما يقدم على الفهم الخاطئ للنص، فهنا التعارض واقع بين إجماع وبين فهم بعض الناس للنص، وليس التعارض بين إجماع وبين نص؛ لأن التعارض بين إجماع ونص لا يدعى إلا إن كان النص لا يحتمل فهما آخر، وهذا أنا أزعم أنه غير موجود على الإطلاق.
أما إن قلنا إن الإجماع مردود لأنه مخالف للنص، فهذا كلام باطل؛ لأنه لا يعجز أحد أن يفهم من النصوص شيئا ويرد بها الإجماع، وهذا يجرنا للنقطة الرابعة في كلام الأخ سراج، ولم أكن أريد أن أستبق الأحداث، ولكن جرتنا لها المناقشة، فهاهنا الأخ سراج يدعي أن هذا الرجل المذكور فهمه باطل، وأنه ليس أهلا للاجتهاد، وهو لم يقدم دليلا على بطلان هذا الفهم، بل يمكنه أن يدعي فيك أيضا أنك لست أهلا للاجتهاد، فما الفيصل بينكما؟
¥