وهذه هي النكتة التي أوقعت كثيرا من الناس في الخلط، فظنوا أننا نقدم الإجماع على النص، وهذا غير صحيح، فالإجماع لا يمكن أن يخالف النص، ولكنه قد يخالف فهم بعض الناس للنص؛ إما لسوء فهمه، وإما لعدم تحققه بعلوم العربية، وإما لأنه لم يعلم باقي النصوص التي فسرت هذا النص، وإما لغير ذلك من القرائن، والأسباب، فحينئذ يقدم الإجماع؛ لأن الإجماع لا ترد عليه هذه العوارض، فلا يرد عليه الخطأ في الفهم، ولا يرد عليه أنه منسوخ مثلا، أو أنه معارض بإجماع آخر أو نحو ذلك.

فالإجماع عندما يقدم إنما يقدم على الفهم الخاطئ للنص، فهنا التعارض واقع بين إجماع وبين فهم بعض الناس للنص، وليس التعارض بين إجماع وبين نص؛ لأن التعارض بين إجماع ونص لا يدعى إلا إن كان النص لا يحتمل فهما آخر، وهذا أنا أزعم أنه غير موجود على الإطلاق.

أما إن قلنا إن الإجماع مردود لأنه مخالف للنص، فهذا كلام باطل؛ لأنه لا يعجز أحد أن يفهم من النصوص شيئا ويرد بها الإجماع، وهذا يجرنا للنقطة الرابعة في كلام الأخ سراج، ولم أكن أريد أن أستبق الأحداث، ولكن جرتنا لها المناقشة، فهاهنا الأخ سراج يدعي أن هذا الرجل المذكور فهمه باطل، وأنه ليس أهلا للاجتهاد، وهو لم يقدم دليلا على بطلان هذا الفهم، بل يمكنه أن يدعي فيك أيضا أنك لست أهلا للاجتهاد، فما الفيصل بينكما؟

لا يصح أن يقال: الفيصل النصوص؛ لأن كليكما يحتج بالنصوص.

فأنت هنا بين أمرين: إما أن تقبل كلام هذا الإنسان؛ لأنه يحتج بنص كما تحتج أنت بنص، وتقبل كلامه في أنه لا عبرة بالإجماع، وإما أن تجعل الإجماع حاكما على الأقوال الباطلة في فهم النصوص، وهذا هو المراد.

خلاصة الأمر يا إخوتي أن الإجماع لا يراد منه - كما يظن كثير من الناس - أن نرد النصوص بالأهواء، فإن الواحد من أهل العلم أجل من أن يخالف النصوص، فما بالك بألوف العلماء؟! هل يظن أنهم جميعا خالفوا النصوص بالهوى؟ أو هل يظن أنهم جميعا أخطئوا في فهم النص؟ هذا لا يعقل، وإن استطاع أحد أن يعقله، فلا جدال في أن خطأ الواحد في فهم النص أولى ألف مرة من خطئهم، فيسقط كلامه كله.

وإنما المراد من الإجماع سد الطريق على من لم يتأهل، وسد الباب على مدعي العلم ومدعي استنباط الأحكام من النصوص مباشرة، فيأتينا كل يوم واحد بأقوال ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى أن هذا ما تدل عليه النصوص، وبدعوى أنه لا عبرة بكلام أهل العلم، وبدعوى أن الإجماع لا عبرة به إن خالف النصوص، وبدعوى أن التقليد باطل مذموم ... إلخ إلخ.

فعلماء الأمة لم يكونوا بهذه السذاجة عندما تكلموا عن الإجماع، وعندما تحرزوا في مخالفة الإجماع، وإنما أرادوا أن يُحفظ هذا الدين، ولا يكون مباحا بلا حمى لكل من هب ودب ليقول بعقله ما شاء!

ـ[هالة]ــــــــ[06 - Nov-2007, مساء 08:20]ـ

وفقكم الله

الأخ سراج ذكر من شروط الإجماع عنده:

((تعداد مجتهدي هذه الأمة كلهم بأعيانهم ولا يحصل العلم باتفاق علماء الأمة إلا بعد معرفة كل واحد منهم بعينه))

وهذا غير متحقق في المسألة المذكورة، بل هو غير متحقق في أي مسألة على الإطلاق، وهذا ظاهر لمن تأمل.

وحتى لو افترضنا على وجه الاستحالة أنه قد تحقق فيمكن أن يأتي معترض ويقول: لا نسلم أن هؤلاء جميعا هم جميع المجتهدين، ولا نسلم أن حكمكم عليهم بأنهم مجتهدون سليم، فقد يكون بعضهم غير مكتمل الأهلية، وقد يكون غيرهم مكتمل الأهلية ولم تعدوه مجتهدا، وقد ... وقد ... إلى آخر هذه الوساوس التي يشغب بها منكرو الإجماع، ولا يمتنع إيرادها على أي شيء أصلا.

وأنا لم أقل إن ثبوت الخلط في (أولا) يؤدي تلقائيا إلى ثبوت الخلط في الباقي، وإنما قلت: إنه دليل، أي أنني سوف أستدل به بعد ذلك في بيان الخلط في باقي النقاط، ولكن ينبغي التسليم بهذه النقطة أولا، حتى ينفع النقاش.

وأما مناسبة الكلام الذي ذكرته فهو أن الأخ سراج يعترض على الإجماع بمجرد فهمه للنص، وهذا خطأ، فلا يتحقق الاعتراض على الإجماع إلا بثبوت وجود المخالف، وهذا واضح في تعريف الإجماع.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015