وهناك نصوص أخرى صريحة عن الإمام أحمد، احتج فيها بالإجماع، ولكن فيما ذكرنا الكفاية لمن عقل وتدبر.

الجواب الثاني: بيان معنى قول الإمام أحمد: (من ادعى الإجماع فهو كاذب).

قال الإمام أحمد في رواية ابنه عبدالله: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم). انتهى

وهنا نسأل ثلاثة أسئلة:

السؤال الأول: هل الإمام أحمد قصد بقوله هذا عدم جواز الإجماع في مسألة ما؟

الجواب: الإمام أحمد لم يقصد ذلك قطعاً؛ لأنه هو نفسه قد صرح بالإجماع في مواضع كثيرة، ذكرنا بعضها هنا.

السؤال الثاني: هل الإمام أحمد قصد أنه يمكننا مخالفة ما بلغنا من أقوال السابقين والخروج عنها؟

والجواب: أن الإمام أحمد لم يقصد ذلك قطعاً؛ لأنه هو نفسه صرح بأنه لا يجوز الخروج عن أقاويل الصحابة التي بلغتنا.

السؤال الثالث: إذا فماذا قصد الإمام أحمد بقوله: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس قد اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم).

الجواب: واضح من كلام الإمام أحمد أنه وجّه النقد إلى دعوى الإجماع الصادرة من مثل بشر المريسي والأصم.

فهل تعلمون من هو "بشر المريسي"؟!!

قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": (بشر بن غياث المريسي مبتدع ضال، لا ينبغي أن يروى عنه ولا كرامة ..

قال الخطيب: حكي عنه أقوال شنيعة أساء أهل العلم قولهم فيه، وكفره أكثرهم لأجلها .. قال أبو زرعة الرازي: بشر المريسي زنديق .. وكان إبراهيم بن المهدي لما غلب على الخليفة ببغداد حبس بشرا وجمع الفقهاء على مناظرته في بدعته .. وقال هارون الرشيد أنه قال: بلغني أن بشراً يقول: القرآن مخلوق، علي إن أظفرني الله به أن أقتله. ونقل عنه أنه كان ينكر عذاب القبر وسؤال الملكين والصراط والميزان). انتهى

وأما الأصم: فهو أبو بكر الأصم، شيخ المعتزلة.

قال الحافظ ابن رجب في آخر (شرح الترمذي): (وأما ما روي من قول الإمام أحمد: "من ادعى الإجماع فقد كذب" فهو إنما قال إنكارا على فقهاء المعتزلة الذين يدّعون إجماع الناس على ما يقولونه، وكانوا أقل الناس معرفة بأقوال الصحابة والتابعين). انتهى

وقال الإمام ابن تيمية: (إنما فقهاء المتكلمين كالمريسي والأصم يدعون الإجماع ولا يعرفون إلا قول أبي حنيفة ومالك ونحوهما، ولا يعلمون أقوال الصحابة والتابعين). انتهى

وقال الإمام ابن الهمام في "التحرير في أصول الفقه" مع شرح تلميذه العلامة ابن أمير الحاج-: (ويحمل قول أحمد: "من ادعاه –أي الإجماع- كاذب" على استبعاد انفراد اطلاع ناقله عليه؛ إذ لو لم يكن كاذباً؛ لنقله غيره أيضاً، كما يشهد به لفظه في رواية ابنه عبدالله .. لا إنكار تحقق الإجماع في نفس الأمر؛ إذ هو أجل أن يحوم حوله، قلت: ويؤيده ما أخرج البيهقي عنه، قال:"أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة" يعني (وإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) [الأعراف:204]، فهذا نقل للإجماع، فلا جرم أن قال أصحابه: إنما قال هذا على جهة الورع لجواز أن يكون هناك خلاف لم يبلغه، أو قال هذا في حق من ليس له معرفة بخلاف السلف؛ لأن أحمد أطلق القول بحجة الإجماع في مواضع كثيرة). انتهى

وقال الإمام محمد بن الحسن البدخشي في شرحه على "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، (2/ 613): (وأما قول أحمد: "من ادّعى الإجماع فهو كاذب" كأنه استبعد الاطلاع عليه ممن يدعيه دون أن يعلمه غيره، لا إنكار حجته). انتهى

قلت: والإمام أحمد عندما عَلِمَ أقوال الصحابة والتابعين نجده صرّح بالإجماع، ولم يجد حرجا في ذلك، كما سبق بأسانيد صحيحة عنه رحمة الله تعالى. وبذلك نفهم كلام الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة ".

ـ[عبد الله آل سيف]ــــــــ[22 - Sep-2007, صباحاً 03:29]ـ

جزاك الله خيرا.

ـ[أبو مالك العوضي]ــــــــ[22 - Sep-2007, صباحاً 04:00]ـ

جزاكم الله خيرا

ويا ليت قومي يعلمون!

صار كل من يهرف بما لا يعرف يحتج بهذه المقولة للإمام أحمد.

ـ[أبو شيماء الطالب]ــــــــ[22 - Sep-2007, صباحاً 08:44]ـ

جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل ..

وأعتقد أن من يستدل بعبارة الشافعي ـ التي هي لمناظِره في الرسالة ـ أن الإجماع في الضروريات، كالصلوات الخمس وتحريم الزنا .... أكثر ممن يستدل بعبارة الإمام أحمد،،، مع احتجاج الإمام الشافعي بالإجماع كثيراً في الأم ..

ـ[عبد المحسن بن عبد الرحمن]ــــــــ[22 - Sep-2007, صباحاً 09:09]ـ

جزاك الله خيرا على هذا الموضوع القيم

ـ[الحمادي]ــــــــ[22 - Sep-2007, صباحاً 09:27]ـ

بارك الله فيكم

هذه الكلمة للإمام أحمد فهمها بعض الناس خطأً، وقد تكلم عن معناها كثير من أهل العلم في كتب الأصول

وغيرها، وأودُّ أن أضيف إلى ما ذكره الأخ الباحث الشيخ عبدالله رمضان:

(نقد مراتب الإجماع لابن تيميَّة) وحملَ كلامَ الإمام أحمد على معنىً جيد، وهو أنَّ من ادَّعى العلمَ بعدم المخالف

فقد كذب، بخلاف من ادَّعى عدمَ العلم بالمخالف

ويُنظر توجيهات أخرى في:

(شرح الكوكب المنير لابن النجار) وغيره من كتب الأصول

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015