أ - قال الترمذي: " حديث المغيرة بن شعبة حديث حسن صحيح "
وقال التهانوي في إعلاء السنن: " رواية المغيرة بن شعبة صحيحة وذلك لقوة سندها" (4)
ب - صحح الإمام مسلم الحديث على شرطه، وقد أشار ابن حزم إلى أن إسناد حديث المغيرة بن شعبة لا معارض له ولا مطعن فيه. (5)
الاعتراض الثاني:
وهذا الاعتراض آت من القائلين بأنه يكفي مسح بعض الرأس عند الوضوء، كالشافعية ومن وافقهم.
قالوا:
" إن حديث المغيرة بن شعبة دل على أن الاقتصار على مسح العمامة لا يجزء، وإن هذا الحديث يؤكد أن مسح بعض الرأس يكفي في الوضوء، ولا يشترط مسح جميع الرأس: لأنه لو وجب ذلك لما اكتفى بالعمامة عن الباقي"
وأيد الخطابي ذلك فقال:
" إنما وقع اداء الواجب من مسح الرأس بمسح الناصية، إذ هي جزء من الرأس، وصارت العمامة تبعا له، وقالوا: بأنه يستحب لمن عليه عمامة أن يمسح بناصيته، ويتم المسح عليها. (6)
وقالوا أيضا: الأحاديث التي وردت في المسح على العمامة فقط فيها اختصار، وأن المراد مسح الناصية والعمامة ليكمل سنة الاستيعاب، وهذا ما صرح به في حديث المغيرة بن شعبة، وأشهر من قال بذلك الخطابي والبيهقي. (7)
* ويمكن الإجابة عن ذلك بما قاله ابن حزم:
" رام هؤلاء أن يجعلوا كل ما في خبر المغيرة حكاية عن وضوء وحد " ... إلى أن قال:
" بل هو خبر عن عملين متغايرين، هذا ظاهر الحديث ومقتضاه، وكيف وقد رواه جماعة غير المغيرة " أهـ (8)
الاعتراض الثالث:
جاء من القائلين بوجوب مسح جميع الرأس (9)، وهم المالكية ومن وافقهم، وقد نقل القرطبي اعتراضهم في تفسيره فقال:
" أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا: لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر الاستعجال والاختصار، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والأخطار، ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة، فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة،والله أعلم"أهـ (10)
* وقد أجاب ابن القيم – رحمه الله – عن ذلك حيث قال:
" إن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة مقتصرا عليها ومع الناصية، وثبت عنه ذلك فعلا وأمرا في عدة أحاديث، لكن في قضايا أعيان يحتمل أن تكون خاصة بحال الحاجة والضرورة، ويحتمل العموم كالخفين، وهو أظهر،والله أعلم" (11)
ــــــ
1 - صحيح مسلم بشرح النووي:2/ 175.
2 - ابن المنذر، الأوسط:1/ 466، ابن قدامة، المغني:1/ 308،ابن حزم، المحلى:2/ 58،البهوتي، كشاف القناع:1/ 112،المباركفوري، تحفة الأحوذي:1/ 290،الشوكاني، نيل الأوطار:1/ 165،ابن عثيمين، الشرح الممتع:1/ 195.
3 - ابن عبد البر، الإستذكار: 1/ 211،الجصاص، أحكام القرآن:3/ 357، الكاندهلوي: التعليق الممجد:1/ 287.ويبدوا لي والله أعلم، أن ابن عبدالبر عندما أشار في كتابه الاستذكار إلى كون حديث المغيرة بن شعبة معلول لم يقصد بذلك أن يعل الرواية التي ذكرها مسلم في صحيحه، بل حديث المغيرة بن شعبة الذي أتى إسناده من طريق إسماعيل بن علية عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عمرو بن وهب، وما أكد لي أن قصد إعلال هذه الرواية ما وضحه بنفسه في كتابه التمهيد [7/ 277] حيث أعل هذه الرواية؛ لأن بين ابن سيرين، بين عمرو بن وهب رجل، وعندما ذكر في نفس الكتاب الرواية التي صحح بسببها مسلم الحديث لم يعلق عليها؛ ولذلك أعتقد أن أغلب العلماء الذين أعلوا الحديث لم يقصدوا إعلال رواية مسلم،والله أعلم وأحكم.
4 - الترمذي، سننه:1/ 157، الخطابي، إعلاء السنن:1/ 58.
5 - صحيح مسلم بشرح النووي:2/ 175،ابن حزم، المحلى:2/ 58.
6 - الخطابي، معالم السنن:1/ 102، الشافعي، الأم:1/ 92،الشيرازي، المهذب:1/ 226، شرح النووي على صحيح مسلم:1/ 176،العيني، البناية:1/ 602،الجصاص، أحكام القرآن:3/ 357.
7 - البيهقي، معرفة السنن والآثار: 1/ 274،الخطابي، معالم السنن:1/ 102،واعلاء السنن:1/ 58.الآلوسي: الأجوبة العراقية:237.
8 - ابن حزم، المحلى:2/ 61.
9 - قال القرطبي:
" اختلف العلماء في تقدير مسحه - يقصد الرأس - على أحد عشر قولا، ثلاثة لأبي حنيفة، وقولان للشافعي، وستة أقوال لعلمائنا، والصحيح منها واحد وهو وجوب التعميم ... وأجمع العلماء على أن من مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه.
وقال - قاصدا قوله تعالى: {وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} (المائدة:6) –:
¥