الأمر الثالث: انهم لا يقولون بالحكم الذي يوافق القياس الظاهر وإنما يقولون بالحكم الذي ثبت بالنص المخالف له ويعتبرون القول بما يوافق القياس الظاهر عند أول نظر قياس فاسد لأمرين:
1 - أنه في مقابل النص.
2 - أنه قياس مع الفارق لتخلف الشرط أو وجود المانع.
الأمر الرابع: أن كثيراً ممن قالوا بهذا القول أي أنه مخالف للقياس أجازوا القياس على ما كان معدولا به عن سنن القياس أو بعبارة أخرى ما كان مخالفا للقياس في الظاهر أجازوه مطلقاً إذا كان معقول المعنى وهذا فرع عن القول بأنه على القياس الصحيح وهذا هو قول الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية وبعض المالكية وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الأصوليين رأوا جواز القياس إذا كانت علته منصوصة أو مجمعاً عليها وهو مذهب الكرخي، وبعضهم أجاز القياس إذا كان الحكم ثبت بدليل مقطوع به وهو مذهب محمد بن شجاع الثلجي.
وإن كان بعضهم منع من القياس عليه وهو مذهب أكثر الحنفية وأكثر المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة.
قد يقول قائل قد يقول قائل: قد وجد من المالكية والحنفية من قدم القياس على خبر الواحد وهذا مبني على أن خبر الواحد مخالف للقياس؟
أجيب عن هذا:
بأن هذا القول هو أحد القولين عن الإمام مالك _ رحمه الله _ نسبه إليه ابن القصار والقرافي ونقله عنه العراقيون، ونُقل عنه من الفروع ما يوافق هذا القول مثل وجوب القضاء على من أكل أو شرب ناسياً وهو صائم، وأن من وقف في عرفة في الليل لا يجزئه، وجواز نكاح العبد أكثر من اثنتين، وجواز نكاح الأمة على الحرة، وعدم غسل الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات وغيرها.
ونقل عنه تقديم خبر الآحاد على القياس ابن رشد والقاضي عياض وابن القيم والباجي وابن السمعاني وأنكر نسبة القول الأول إليه وقال إنه لا يليق بمكانة مالك هذا القول فهو قول سمج، وذكروا لذلك فروعاً قال بها مثل العرايا والمصراة وإثبات صفة صلاة الكسوف والقول بالقرعة ونحوها.
وهذا القول هو الراجح عن مالك فالقول الأول منسوب إليه عن طريق ما نقل عنه في الفروع السابقة وهذا لا يلزم منه تقديم القياس على خبر الواحد لاحتمال أن يكون عارضه آية أو حديث آخر أو يكون الخبر لم يثبت عنده أو لم يصله أصلاً.
وقد علم أن مالك _ رحمه الله _ أمر بعرض أقواله على الكتاب والسنة فما وافقها أخذ به وما خالفها طرح، وعلم أيضاً أن من أصول مالك القرآن والسنة والإجماع والقياس وهو لا يعمل به إلا عند انعدام الأصول السابقة، ثم إنه لم يثبت عن مالك نص يقتضي ما نسب إليه من تقديم القياس على خبر الآحاد وهو خلاف الظن بمالك _ رحمه الله _ مع ما عرف عنه من شدة التمسك بالسنة.
وأما الحنفية فيردون خبر الآحاد إذا خالف القياس إذا لم يكن الراوي فقيهاً أما إذا كان فقيها فهم يقدمون الخبر على القياس مثل نقض الوضوء في القهقهة في الصلاة ونقض الوضوء بالقيء لراوية عائشة رضي الله عنها له، وكون سجود السهو بعد السلام لرواية ابن مسعود 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ - له، وكذا إذا كان غير فقيه ولم يخالف كل الأقيسة بأن وافق قياسا آخر فهم يقبلونه.
ويردون خبر غير الفقيه إذا خالف كل الأقيسة ويقدمون عليه القياس مثل حديث المصراة.
وقد قسموا الرواة من حيث الفقه طبقات فعندهم الفقهاء من الصحابة الخلفاء الأربعة والعبادلة وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وعائشة وأبو موسى الشعري وأبي بن كعب وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم و أمثالهم فرواية هؤلاء عندهم مقدمة على القياس.
ثم ليعلم أن القياس عند الحنفية هنا أعم من القياس الذي هو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت أو إلحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلة تجمع بينهما فالقياس هنا يعني قواعد وأصول الشريعة العامة التي دلت عليها نصوص القرآن والسنة مثل القياس ضمان المثلي بالمثلي، القياس أن كل مكلف يقوم بالتكاليف بنفسه ... وهكذا.
فالحنفية مثلاً ردوا حديث المصراة لكونه يخالف ظاهر القرآن وهو أن الأصل في ذوات الأمثال أن تغرم بالمثل.
¥