الأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها ولا يستلزم النظر إليه رؤية شىء من بدنها كقول ابن مسعود من وافقه إنها ظاهر الثياب لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.

وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا وأحوطها وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.

القول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزيّن به وليس من أصل خلقتها أيضًا لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شى ء من بدن المرأة وذلك كالخضاب والكحل ونحو ذلك لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفى.

القول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها كقول من قال إن المراد بما ظهر منها الوجه والكفّان وما تقدّم ذكره عن بعض أهل العلم.

وإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدّمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمّنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولاً وتكون في نفس الآية قرينة دالَّة على عدم صحّة ذلك القول وقدّمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمّنها أن يكون الغالب في القرءان إرادة معنى معيّن في اللفظ مع تكرّر ذلك اللفظ في القرءان فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب يدلّ على أنه هو المراد في محل النزاع لدلالة غلبة إرادته في القرءان بذلك اللفظ وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة وإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان للذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك ومثلنا لهما بأمثلة متعدّدة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها

أمّا الأول منهما فبيانه أن قول من قال في معنى (وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أن المراد بالزينة الوجه والكفان مثلاً توجد في الآية قرينة تدلّ على عدم صحة هذا القول وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزيّن به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها كالحلي والحلل فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر ولا يجوز الحمل عليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه وبه تعلم أن قول من قال الزينة الظاهرة الوجه والكفّان خلاف ظاهر معنى لفظ الآية وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول فلا يجوز الحمل عليه إلا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.

وأمّا نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه أن لفظ الزينة يكثر تكرّره في القرءان العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشىء المزيّن بها كقوله تعالى (يَابَنِى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ) وقوله تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة َ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) وقوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الاْرْضِ زِينَة ً لَّهَا) وقوله تعالى (وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ) (وذكر آيات أخر اكتفيت بما نقلته لكم منها)

ثم قال –رحمه الله-:فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد به ما يزيّن به الشىء وهو ليس من أصل خلقته كما ترى وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرءان يدلّ على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي غلبت إرادته في القرءان العظيم وهو المعروف في كلام العرب كقول الشاعر:

يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل

وبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفّين فيه نظر ,وإذا علمت أن المراد بالزينة في القرءان ما يتزيّن به مما هو خارج عن أصل الخلقة وأن من فسّروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين فقال بعضهم هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شىء من بدن المرأة كظاهر الثياب وقال بعضهم هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة كالكحل والخضاب ونحو ذلك

قال مقيّده عفا اللَّه عنه وغفر له أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود رضي اللَّه عنه أن الزينة الظاهرة هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شىء من بدن المرأة الأجنبية وإنما قلنا إن هذا القول هو الأظهر لأنه هو أحوط الأقوال وأبعدها عن أسباب الفتنة وأطهرها لقلوب الرجال والنساء ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها كما هو معلوم والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015