وسأذكر لكم مثالاً عن هذه الطريقة ليستوعبها الراغب في الاستزادة والتمثيل ..

نقل الإمام ابن حزم الظاهري في كتاب مراتب الإجماع (صفحة 17) اتفاق الفقهاء على ما يلي ..

((واتفقوا أن الماء الراكد إذا كان من الكثرة بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه ولا شيء منهما فإنه لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته)) ..

فهنا الإمام لا يعني أنه يوافقهم في هذا القول ..

لأن الإمام لا يقيد الماء الذي لا ينجسه شيء إلا بتغير أحد أوصافه بهذا القيد وهو الكثرة والتحريك للوسط الذي لا يحرك أطرافه .. وإنما يقيده فقط بعدم تغير أحد أوصافه الثلاثة سواء كان الماء كثيراً أو قليلاً ..

وكذلك الإمام مالك لا يذكر هذا اللفظ (إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه) وإنما يقيده بالكثرة فقط ..

وكذلك الإمام الشافعي فإنما يقيده بخمسمائة رطل وأكثر ..

ومثله الإمام أحمد ..

فهؤلاء لا يذكرون هذا المعنى وهو (إذا كان كثيراً بحيث إذا حرك وسطه لم يتحرك طرفاه) ..

وإنما يذكره الإمام أبو حنيفة فقط ومن يقلده أيضاً ..

فكلهم يقول أن حد الماء الراكد هذا بما حدده الحنفيون لا ينجس إلا بتغير أحد أوصافه ..

وإن لم يذكروا لفظ الحد نفسه ..

أما الإمام ابن حزم الظاهري وكذلك الإمام داود الظاهري وغيرهما من أهل الظاهر فيقولون ..

الماء لا ينجسه شيء إلا بتغير أحد أوصافه الثلاثة ..

سواء كان هذا الماء الراكد كثيراً أو قليلاً ولا فرق ..

وهنا وضح لك أن المراد من الاتفاق هو الاتفاق على معنى واحد أو معان وإن لم يذكرها الفقهاء الأربعة بنصها ..

ولا يعني موافقة أهل الظاهر أو أحدهم لما ينقل من الاتفاق هذا ..

فلا ينقل الاتفاق الذي يحكيه الإمام ابن حزم إلا بهذا المعنى الذي وإلا أخطأنا في نقل مذهب من يخالف هذا الاتفاق بهذا المعنى ..

فكل ما وقفت عليه من لفظ (اتفقوا) في كتابه فلا بد أن ترجع لقول الإمام لتعرف رأيه قبل أن ننسب له القول ..

إذن .. الإمام ابن حزم في كتابه مراتب الإجماع كما قلت آنفاً ..

يحاول تحرير محل الاتفاق والاختلاف وتحرير إجماع وإن لم يتكلموا بصيغة هذا الإجماع ..

وطريقته هذه علمية صحيحة قوية ..

وإليك مثال يوضح لك أنه يريد تأليف إجماع ..

((واختلفوا في تقليده واشعاره وهدى ما عدا الانعام مما يحل أكله ولا سبيل الى ضم اجماع فيه وفي العقيقة فان قوما أوجبوها وقوما قالوا هي منسوخة وقال آخرون هي تطوع فاختلفوا في كل ذلك بما لا سبيل الى ضم اجماع فيه)) في مراتب الإجماع صفحة 154 ..

قوله: (بما لا سبيل إلى ضم إجماع فيه) يؤيد ما قلته آنفاً ..

فهو يحاول ضم إجماع في المسألة فيما لا يتخلفون فيه ..

وقال في مقدمته أيضاً ..

((ووجدنا الاجماع يقتسم طرفي الاقوال في الأغلب والأكثر من المسائل وبين هذين الطرفين وسائط فيها كثر التنازع وفي بحرها سبح المخالفون فأحد الطرفين هو ما أتفق جميع العلماء على وجوبه أو على تحريمه أو على أنه مباح لا حرام ولا واجب فسمينا هذا القسم الإجماع اللازم

والطرف الثاني هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب أو لم يأثم فسمينا هذا القسم الاجماع المجازي عبارة اشتققناها لكل صنف من صفته الخاصة به ليقرب بها التفاهم بين المعلم والمتعلم والمناظرين على سبيل طلب الحقيقة ان شاء الله وما توفيقنا الا بالله ..

وبين هذين الطرفين أشياء قال بعض العلماء هي حرام وقال آخرون منهم ليست حراما لكنها حلال وقال قوم منهم هي واجبة وقال آخرون منهم ليست بواجبة لكنها مباحة وكرهها بعضهم واستحبها بعضهم فهذه مسائل من الاحكام والعبادات لا سبيل الى وجود مسمى الاجماع لا في جوامعها ولا في أفرادها)) ..

هذا كله كما قلت آنفاً من محاولة تحرير المسائل والوقوف على ما يجمعون عليه ..

وهو الإجماع المجازي ..

فيحاول إيجاد إجماع في هذه المسائل بأفرادها وجوامعها كما ذكر ..

وهذا واضح ..

أما مسألة التسمية وقوله:

فقوله (أدى ما عليه) ..

تفسيره فيما قدمته وهو قوله ..

((والطرف الثاني هو ما اتفق جميع العلماء على أن من فعله أو اجتنبه فقد أدى ما عليه من فعل أو اجتناب أو لم يأثم فسمينا هذا القسم الاجماع المجازي)) ..

أدى ما عليه بحسب قول كل فريق ..

¥

طور بواسطة نورين ميديا © 2015